بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
الوسواس وما يكره رسول الله
والهجرة الى الحبشة والإسراء


فصل فيما يقوله ويفعله من بلي بالوسواس
عن عبد الله بن مسعود يرفعه إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ورجاء صالح ثواب ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق وقنوط من الخير فإذا وجدتم لمة الملك فاحمدوا الله واسألوه من فضله وإذا وجدتم لمة الشيطان فاستعيذوا بالله واستغفروه وقال له عثمان بن أبي العاص قد حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي قال ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل عن يسارك ثلاثا وشكا اليه الصحابة أن أحدهم يجد في نفسه لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده الى الوسوسة وأرشد من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين إذا قيل له هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله أن يقرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم وكذلك قال ابن عباس لأبي زميل وقد سأله ماشيء أجده في صدري قال ماهو قال قلت والله لا أتكلم به فقال أشيء من شك قلت بلى قال مانجا من ذلك أحد حتى أنزل الله عز وجل (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك) الآية فإذا وجدت في نفسك شيئا فقل هو الأول والآخر والظاهر لآية فأرشدهم بالآية الى بطلان التسلسل ببديهة العقل وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء كما تنتهي في آخرها إلى أخر ليس بعده شيء كما أن ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء وبطونه هو الإحاطة التي لايكون دونه فيها شيء ولو كان قبله شيء يكون مؤثرا فيه لكان ذلك هو الرب الخلاق فلا بد أن ينتهي الأمر الى خالق غني عن غيره وكل شيء فقير إليه قائم بنفسه وكل شيء قائم به موجود بذاته وكل شيء موجود به قديم لا أول له وكل ماسواه فوجوده بعد عدمه باق بذاته وبقاء كل شيء به وقال صلى الله عليه وسلم لايزال الناس يتساءلون حتى يقول قائلهم هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيء فليستعذ بالله ولينته وقال تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) الآية ولما كان الشيطان نوعين نوعا يرى عيانا وهو الإنسي ونوعا لايرى وهو الجني أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكتفي من شر الإنسي بالإعراض والعفو الدفع بالتي هي أحسن ومن شر الجني بالاستعاذة وجمع بين النوعين في سورة الأعراف و المؤمنين و فصلت فما هو إلا الاستعاذة ضارعا أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب فهذا دواء الداء من شر مايرى وذاك دواء الداء من شر محجوب.
فصل أمر من اشتد غضبه أن يطفئ جمرة الغضب بالوضوء
وأمر صلى الله عليه وسلم من اشتد غضبه أن يطفئ جمرة الغضب بالوضوء والقعود إن كان قائما والاضطجاع إن كان قاعدا والاستعاذة بالله من الشيطان ولما كان الغضب والشهوة جمرتين من نار في قلب ابن آدم أمر أن يطفئهما بما ذكر كقوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم الآية وهذا إنما يحمل عليه شدة الشهوة فأمرهم بما يطفئوا به جمرتها وهو الاستعانة بالصبر والصلاة وأمر تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند نزغه ولما كانت المعاصي جميعها تتولد من الغضب والشهوة وكان نهاية قوة الغضب القتل ونهاية قوة الشهوة الزناقرن بينهما في الأنعام و الإسراء و الفرقان وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال وكان يدعو لمن تقرب إليه بما يحب فلما وضع له ابن عباس وضوءه قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ودعا لأبي قتادة لما دعمه بالليل لما مال عن راحلته حفظك الله بما حفظت به نبيه وقال من صنع إليه معروفا فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء وقال للذي أقرضه لما وفاه بارك الله لك في اهلك ومالك إنما جزاء السلف الحمد والأداء وكان صلى الله عليه وسلم إذا أهديت له هدية كافأ بأكثر منها وإن لم يردها اعتذر الى مهديها كقوله للصعب إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم وأمر أمته إذا سمعوا نهيق الحمار أن يتسعيذوا بالله من الشيطان الرجيم وإذا سمعوا صياح الديك أن يسألوا الله من فضله ويروى أنه أمرهم بالتكبير عند الحريق فإنه يطفئه وكره لأهل المجلس أن يخلوا مجلسهم من ذكر الله عز وجل وقال من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع مضجعا لايذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة والترة الحسرة وقال من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل ان يقوم من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك إلا غفر له ماكان في مجلسه ذلك وفي سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك إذا أراد أن يقوم من المجلس فسئل عنه فقال ذلك كفارة لما يكون في المجلس,
فصل في ألفاظ كان صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال
فمنها خبثت نفسي أو جاشت ومنها أن يسمى العنب كرما وقول الرجل هلك الناس وقال إذا قال ذلك فهو أهلكهم وفي معناه فسد الناس وفسد الزمان ونحوه ونهى أن يقال مطرنا بنوء كذا وكذا وما شاء الله وشئت ومنها أن يحلف بغير الله ومنها ان يقول في حلفه هو يهودي ونحوه إن فعل كذا ومنها أن يقول للسلطان ملك الملوك ومنها قول السيد عبدي وأمتي ومنها سب الريح ومنها سب الحمى وسب الديك والدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء الى القبائل والعصبية لها ومثله التعصب للمذهب والطريقة والمشايخ ومنها تسمية العشاء بالعتمة تسمية غالبة يهجر بها اسم العشاء ومنها سباب المسلم وأن يتناجى اثنان دون الثالث وأن تخبر المرأة زوجها بمحاسن امرأة اخرى ومنها قول اللهم اغفر لي إن شئت ومنها الإكثار من الحلف وأن يقول قوس قزح وأن يسأل أحدا بوجه الله وأن تسمى المدينة يثرب وأن يسأل الرجل فيم ضرب امرأته إلا إذا دعت الحاجة إليه ومنها أن يقول صمت رمضان كله وقمت الليل كله ومن الألفاظ المكروهة الإفصاح عن الأشياء التي ينبغي الكناية عنها وأن يقال أطال الله بقاءك ونحو ذلك ومنها أن يقول الصائم وحق الذي خاتمه على فمي فإنما يختم على فم الكافر وأن يقول للمكوس حقوقا او لما ينفقه في طاعة الله خسرت كذا وأن يقول أنفقت في الدنيا مالا كثيرا ومنها أن يقول المفتي أحل الله كذا وحرم كذا في مسائل الاجتهاد ومنها أن تسمى أدلة القرآن والسنة مجازات ولا سيما إذا أضاف إلى ذلك تسمية شبه المتكلمين قواطع عقلية فلا إله إلا الله كم حصل بهاتين التسميتين من إفساد الدين والدنيا ومنها أن يحدث الرجل بما يكون بينه وبين أهله كما يفعله السفلة ومما يكره من الألفاظ زعموا وذكروا وقالوا ونحوه وأن يقال للسلطان خليفة الله فإن الخليفة إنما يكون عن غائب والله سبحانه خليفة الغائب في أهله وليحذر كل الحذر من طغيان أنا و لي وعندي فإن هذه ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون ف (أنا خير منه) لإبليس و( لي ملك مصر) لفرعون و(على علم عندي) لقارون وأحسن ماوضعت أنا في قول العبد أنا العبد المذنب المستغفر المعترف ونحوه ولي في قوله لي الذنب ولي الجرم ولي الفقر والذل وعندي في قوله اغفر لي جدي وهزلي وخطىء وعمدي وكل ذلك عندي.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزوات
لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام ومنازل أهله أعلا المنازل في الجنة كما لهم الرفعة في الدنيا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه واستولى على أنواعه كلها فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد ولهذا كان اعظم العالمين عند الله قدرا وأمره تعالى بالجهاد من حين بعثه فقال (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) فهذه سورة مكية أمره فيها بالجهاد بالبيان وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجة وهو أصعب من جهاد الكفار وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل والقائمون به افراد في العالم والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددا فهم الأعظمون عند الله قدرا ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن يتكلم به عند من يخاف سطوته كان للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من ذلك الحظ الأوفر وكان له صلى الله عليه وسلم من ذلك أكمله وأتمه ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد النفس كما قال صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج أصلا له فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما وبينهما عدو ثالث لايمكنه جهادهما إلا بجهاده وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما وهو الشيطان قال الله تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) والأمر باتخاذه عدوا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته فهذه ثلاثة أعداء أمر العبد بمحاربتها وسلطت عليه امتحانا من الله وأعطي العبد مددا وقوة ولي أحد الفريقين بالآخر وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى وأنزل عليهم كتبه وأرسل اليهم رسله وأمدهم بملائكته وأمرهم بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوهم وأخبرهم أنهم إن امتثلوه لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم وأنه إن سلطه عليهم فلتركهم بعض ما أمروا به ثم لم يؤيسهم بل أمرهم أن يداووا جراحهم ويعودوا الى مناهضة عدوهم بصبرهم وأخبرهم أنه مع المتقين منهم ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين وأنه يدافع عن عباده المؤمنين مالا يدافعون عن أنفسهم بل بدفاعه عنهم انتصروا ولولا ذلك لاجتاحهم عدوهم وهذه المدافعة بحسب إيمانهم فإن قوي إيمانهم قويت فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته وكما أن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله وبالله لا لنفسه ولا بنفسه ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره فإنه يعد الأماني ويمني الغرور ويأمر بالفحشاء وينهى عن الهدى وأخلاق الإيمان كلها فينشأ له من هذين الجهادين قوة وعدة يجاهد بها أعداء الله بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا واختلفت عبارات السلف في حق الجهاد فقال ابن عباس هو استفراغ الطاقة فيه ولا أن يخاف في الله لومة لائم وقال ابن المبارك هو مجاهدة النفس والهوى ولم يصب من قال إن الآيتين منسوختان لظنه تضمنهما ما لا يطاق وحق تقاته وحق جهاده هو ما يطيقه كل عبد في نفسه وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج والحرج الضيق وقال صلى الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السمحة فهي حنيفية في التوحيد سمحة في العمل وقد وسع الله سبحانه على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته فبسط عليهم التوبة ما دامت الروح في الجسد وجعل لكل سيئة كفارة وجعل لكل ما حرم عليهم عوضا من الحلال وجعل لكل عسر يمتحنهم به يسرا قبله ويسرا بعده فكيف يكلفهم مالا يسعهم فضلا عما لايطيقونه.
فصل الجهاد على أربع مراتب
إذا عرف هذا فالجهاد على أربع مراتب جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار وجها المنافقين فجهاد النفس وهو أيضا أربع مراتب أحدها أن يجاهدها على تعلم الهدى الثانية على العمل به بعد علمه الثالثة على الدعوة اليه وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله الرابعة على الصبر على مشاق الدعوة ويتحمل ذلك كله لله فإذا استكمل هذه الأربع صار من الربانيين فإن السلف مجمعون على أن العالم لايكون ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه ويدعو اليه المرتبة الثانية جهاد الشيطان وهما مرتبتان أحدهما جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات الثانية على دفع مايلقي من الشهوات فالأول يكون بعدة اليقين والثاني يكون بعدة الصبر قال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون المرتبة الثالثة جهاد الكفار المنافقين وهو أربع مراتب بالقلب واللسان والمال والنفس وجهاد الكفار أخص باليد وجهاد المنافقين أخص باللسان المرتبة الرابعة جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع وهو ثلاث مراتب الأولى باليد إذا قدر فإن عجز انتقل الى اللسان فإن عجز جاهد بقلبه فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد و من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ولايتم الجهاد إلا بالهجرة ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان والراجون لرحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة قال تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم وكما أن الإيمان فرض على كل أحد ففرض عليه هجرتان في كل وقت هجرة الى الله عز وجل بالإخلاص وهجرة الى رسوله بالمتابعة وفرض عليه جهاد نفسه وشيطانه فهذا كله فرض عين لاينوب فيه أحد عن أحد وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفي فيه ببعض الأمة.
فصل أكمل الخلق عند الله عز وجل
وأكمل الخلق عند الله عز وجل من أكمل مراتب الجهاد كلها ولهذا كان أكمل الخلق عند الله وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كمل مراتبه وجاهد في الله حق جهاده وشرع فيه من حين بعثه الله الى أن توفاه فإنه لما أنزل عليه (ياأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر) شمر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتم قيام ودعا الى الله ليلا ونهارا سرا وجهارا ولما أنزل عليه فاصدع بما تؤمر صدع بأمر الله لاتأخذه في الله لومة لائم فدعا الى الله الكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى والجن والإنس ولما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة وبادأهم بسب آلهتهم وعيب دينهم اشتد أذاهم له ولمن استجاب له وهذه سنة الله عز وجل في خلقه كما قال تعالى (مايقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) وقال تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن) وقال تعالى (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون) فعزى الله سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوة بمن تقدمه وعزى أتباعه بقوله تعالى (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) وقوله تعالى (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون) إلى قوله (أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) فليتأمل العبد سياق هذه الآيات وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم فإن الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم آمنا وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات فمن قال آمنا فتنه ربه والفتنة الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب ومن لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يفوت الله ويسبقه فن آمن بالرسل عاداه أعداؤهم وآذوه فابتلي بما يؤلمه ومن لم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة فلا بد من حصول الألم لكل نفس لكن المؤمن يحصل له الألم ابتداء ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة والمعرض تحصل له اللذة ابتداء ثم يصير الى الألم الدائم وسئل الشافعي رحمه الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى فقال لايمكن له حتى يبتلى والله عز وجل ابتلى أولي العزم من رسله فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة وإنما يتفاوت أهل الآلام في العقول فأعقلهم من باع ألما عظيما مستمرا بألم منقطع يسير وأسفههم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم المستمر العظيم فإن قيل كيف يختار العاقل هذا قيل الحامل له على هذا والنقد النسيئة والنفس موكلة بالعاجل كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة إن هؤلاء يحبون العاجلة وهذا يحصل لكل أحد فإن الانسان لابد له أن يعيش مع الناس ولهم إرادات يطلبون منه موافقتهم عليها فإن لم يفعل آذوه وعذبوه وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب تارة منهم وتارة من غيرهم كمن عنده دين وتقى حل بين قوم فجار ظلمة ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم فإن فعل سلم من شرهم في الابتداء ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ماكان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وإن سلم منهم فلا بد أن يهان على يد غيرهم فالحزم كل الحزم الأخذ بما قالته عائشة رضي الله عنها لمعاوية من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيرا فيمن يعين الرؤساء وأهل البدع هربا من عقوبتهم فمن وقاه الله شر نفسه امتنع من الموافقة على المحرم وصبر على عدوانهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم ومن ابتلي من العلماء وغيرهم ولما كان الألم لا مخلص منه البتة عزى الله سبحانه من اختار الألم اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم فضرب لهذا الألم المنقطع أجلا وهو يوم لقائه فيلتذ العبد أعظم لذة بما تحمل من الألم لأجله وأكد هذا العزاء برجاء اللقاء ليحمل العبد اشتياقه الى ربه على تحمل الألم العاجل بل ربما غيبه الشوق الى لقائه عن شهود الألم والإحساس به ولهذا سأل صلى الله عليه وسلم ربه الشوق الى لقائه وشوقه من أعظم النعم ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال هما السبب الذي تنال به والله سبحانه سميع لتلك الأقوال عليم بتلك الأعمال وهو عليم بمن يصلح لهذه النعمة كما قال تعالى (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) فإذا فاتت العبد نعمة فليقرأ على نفسه أليس الله بأعلم بالشاكرين ثم عزاهم تعالى بعزاء آخر وهو إنما جهاده فيه إنما هو لأنفسهم وأنه غني عن العالمين فمصلحة هذا الجهاد ترجع اليهم لا له سبحانه ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة وأنه يجعل فتنة الناس أي أذاهم له ونيلهم إياه بالألم الذي لابد منه كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان فإذا جاء نصر الله لجنده قال إني كنت معكم والله أعلم بما انطوى عليه صدره من النفاق والمقصود أن الحكمة اقتضت أنه سبحانه لابد أن يمتحن النفوس فيظهر طيبها من خبيثها إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه الى التصفية فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم فإذا نقي العبد أذن له في دخول الجنة.
فصل ولما دعا الى الله استجاب له عباد الله
ولما دعا الى الله استجاب له عباد الله من كل قبيلة فكان حائز قصب سبقهم صديق الأمة أبو بكر فآزره في دين الله ودعامعه الى الله فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد وبادرت الى الاستجابة صديقة النساء خديجة وقامت بأعباء الصديقية وقال لها لقد خشيت على نفسي فقالت أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا ثم استدلت بما فيه من الصفات على أن من كان كذلك لم يخزه الله أبدا فعلمت بفطرتها وكمال عقلها أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه لا تناسب الخزي وبهذا العقل استحقت أن يرسل إليها ربها السلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد عليهما السلام وبادر الى الإسلام علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان سنين وقيل أكثروكان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه من عمه إعانة له في سنة محل وبادر زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان غلاما لخديجة فوهبته له وجاء أبوه وعمه في فدائه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا غير ذلك قالوا ماهو قال أدعوه فأخيره فإن اختاركم فهو لكم وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا قالا قد رددتنا على النصف وأحسنت فدعاه فخيره فقال ما أنا بالذي أختار عليك أحدا قالا ويحك يازيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أهل بيتك قال نعم لقد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الى الحجر فقال أشهدكم أن زيدا ابني أرثه ويرثني فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا ودعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالاسلام فنزلت (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) فدعي من يومئذ زيد بن حارثة قال معمر عن الزهري ماعلمنا أحدا أسلم قبل زيد وأسلم ورقة بن نوفل وفي جامع الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة حسنة ودخل الناس في دين الله واحدا بعد واحد وقريش لاتنكر ذلك حتى بادأهم بعيب دينهم وسب آلهتم فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة فحمى الله رسوله بأبي طالب لأنه كان شريفا معظما فيهم وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدوا لمن تأملها وأما أصحابه فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بهم وسائرهم تصدوا له بالعذاب منهم عمار وأمه وأهل بيته فإنهم عذبوا في الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول صبرا ياآل ياسر فإن موعدكم الجنة ومنهم بلال فإنه عذب في الله اشد العذاب هان عليهم وهانت عليه نفسه في الله وكان كلما اشتد به العذاب يقول أحد أحد فيمر به ورقة بن نوفل فيقول إي والله يابلال أحد أحد أما والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا ولما اشتد أذاهم على المؤمنين وفتن منهم من فتن أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى الى أرض الحبشة وكان أول من هاجر اليها عثمان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا اثني عشر رجلا وأربع نسوة خرجوا متسللين سرا فوفق الله لهم ساعة وصولهم الى الساحل سفينتين فحملوهم وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من المبعث وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا ساحل البحر فلم يدركوهم ثم بلغهم أن قريشا قد كفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا فلما كانوا دون مكة بساعة بلغهم أنهم أشد ماكانوا عداوة فدخل من دخل منهم بجوار وفي تلك المرة دخل ابن مسعود فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فلم يرد عليه هذا هو الصواب كذا قال ابن اسحاق قال وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا الى الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم من ذلك حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ذلك كان باطلا فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا وكان ممن قدم منهم فأقام بها حتى هاجر الى المدينة فشهد بدرا وأحدا فذكر منهم ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم أجيب عنه بجوابين أحدهما أن النهي ثبت بمكة ثم أذن فيه بالمدينة ثم نهي عنه الثاني أن زيدا من صغار الصحابة وكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم ولم يبلغهم النهي فلما بلغهم انتهوا ثم اشتد البلاء من قريش على من قدم من الحبشة وغيرهم وسطت بهم عشائرهم فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج الى الحبشة مرة ثانية فكان خروجهم الثاني أشق عليهم ولقوا من قريش أذى شديدا وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم فكان عدة من هاجر في هذه المرة ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم ومن النساء تسع عشرة امرأة قلت قد ذكر في هذه الثانية عثمان وجماعة ممن شهد بدرا فإما أن يكون وهما وإما أن تكون لهم قدمة أخرى قبل بدر فيكون لهم ثلاث قدمات ولذلك قال ابن سعد وغيره إنهم لما سمعوا مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثمان فمات منهم رجلان بمكة وحبس بمكة سبعة وشهد بدرا أربعة وعشرون رجلا فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا الى النجاشي يدعوه الى الإسلام مع عمرو بن أمية فأسلم وقال لو قدرت أن آتيه لأتيته وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة وكانت فيمن هاجر مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصر هناك ومات نصرانيا فزوجه النجاشي إياها وأصدقها عنه أربعمئة دينار وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فوجدوه قد فتحها وعلى هذا فيزول الاشكال الذي بين حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم ويكون تحريم الكلام بالمدينة فإن قيل فما أحسنه لولا أن ابن اسحاق قد قال ما حكيته عنه أن ابن مسعود أقام بمكة قيل قد ذكر ابن سعد أنه أقام بمكة يسيرا ثم رجع الى الحبشة وهذا هو الأظهر لأنه لم يكن له بمكة من يحميه فتضمن هذا زيادة أمر خفي على ابن إسحاق وابن اسحاق لم يذكر من حدثه وابن سعد أسنده الى المطلب بن عبد الله حنطب فزال الإشكال ولله الحمد وقد ذكر ابن إسحاق في هذه الهجرة أبا موسى الأشعري وأنكر هذا عليه الواقدي وغيره وقالوا كيف يخفى هذا على من دونه فضلا عنه قلت ليس هذا مما يخفى على من دونه فضلا عنه وإنما نشأ الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن الى عند جعفر وأصحابه ثم قدم معهم فعد ابن إسحاق ذلك لأبي موسى هجرة ولم يقل إنه هاجر من مكة لينكر عليه.
فصل وانحاز المسلمون الى النجاشي آمنين
وانحاز المسلمون الى النجاشي آمنين فبعثت قريش في أثرهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا للنجاشي ليردهم عليهم وتشفعوا اليه بعظماء بطارقته فأبى ذلك فوشوا إليه أنهم يقولون في عيسى قولا عظيما يقولون إنه عبد فاستدعاهم ومقدمهم جعفر بن أبي طالب فلما أرادوا الدخول عليه قال جعفر يستأذن عليك حزب الله فقال للآذان قل لهذا يعيد استئذانه فأعاده فلما دخلوا قال ماتقولون في عيسى فتلا عليه جعفر صدرا من (كهيعص) فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال مازاد عيسى على هذا ولا مثل هذا العود فتناخرت البطارقة حوله قال وإن نخرتم والله قال اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي من سبكم غرم والسيوم بلسانهم الآمنون وقال للرسولين لو أعطيتموني دبرا من ذهب يقول جبلا من ذهب ما أسلمتهم إليكما ثم أمر فردت عليهما هداياهما ورجعا مقبوحين ثم أسلم حمزة وجماعة كثيرون فلما رأت قريش أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلو والأمور تتزايد أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة وكتبها بغيض ابن عامر بن هاشم فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده فانحازوا مؤمنهم وكافرهم الى الشعب إلا أبا لهب فإنه ظاهر قريشا عليهم وذلك سنة سبع من البعثة وبقوا محبوسين مضيقا عليهم جدا نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية وقريش بين راض وكاره فسعى في نقضها بعض من كان كارها لها وأطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأنه سلط عليها الأرضة فأكلت ما فيها من قطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل فأخبر بذلك عمه فخرج الى قريش وأخبرهم وقال إن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه وإن كان صادقا رجعتم قالوا أنصفت فأنزلوها فلما رأوا الأمر كذلك ازدادوا كفرا الى كفرهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام وقيل غير ذلك فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه فخرج الى الطائف رجاء أن ينصروه عليهم ودعا الى الله فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا وآذوه أشد الأذى ونالوا منه مالم ينل منه قومه ومعه زيد بن حارثة فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا كلمه فقالوا اخرج من بلدنا وأغروا به سفهاءهم فوقفوا له سماطين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه وزيد يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فانصرف الى مكة محزونا وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة وهما جبلاها اللذان هي بينهما فقال بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لايشرك به شيئا فلما نزل بنخلة في مرجعه قام يصلي من الليل فصرف الله اليه نفرا من الجن فاستمعوا قراءته ولم يشعر بهم حتى نزل عليه (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) وأقام بنخلة أياما فقال له زيد كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك يعني قريشا قال يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه فلما انتهى الى مكة أرسل رجلا من خزاعة الى مطعم بن عدي أدخل في جوارك فقال نعم فدعا بنيه وقومه وقال البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى الى المسجد الحرام فقام المطعم على راحلته فنادى يامعشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته ومطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.
فصل ثم أسري برسول الله بجسده ثم عرج به
ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد الحرام الى بيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبرائيل فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما وربط البراق بحلقة باب المسجد وقيل إنه نزل بيت لحم ولا يصح عنه ذلك البتة ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس الى السماء الدنيا فاستفتح له جبرائيل ففتح لهما فرأى هنالك آدم أبا البشر فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به وأقر بنبوته وأراه الله أرواح السعداء من بنيه عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره ثم عرج به الى السماء الثانية فرأى فيها يحيى وعيسى ثم عرج به الى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف ثم الى الرابعة فرأى فيها إدريس ثم الى الخامسة فلقي فيها هارون ثم الى السادسة فرأى فيها موسى فلما جاوزه بكى فقيل له مايبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم الى السابعة فلقي فيها إبراهيم ثم رفعت له سدرة المنتهى ثم رفع له البيت المعمور ثم عرج به الى الجبار جل جلاله فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما اوحى وفرض عليه خمسين صلاة فرجع حتى مر على موسى فقال بم أمرت قال بخمسين صلاة قال إن امتك لايطيقون ذلك ارجع الى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره فأشار أن نعم إن شئت فعلا به جبرائيل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى وهو مكانه، هذا لفظ البخاري في صحيحه وفي بعض الطرق فوضع عنه عشرا ثم نزل حتى مر بموسى فأخبره فقال ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك وتعالى حتى جعلها خمسا فيأمره بالرجوع وسؤال التخفيف قال قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلم فلما بعد نادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي واختلف الصحابة هل رأى ربه تلك الليلة أم لا فصح عن ابن عباس أنه رآه وصح عنه أنه قال رآه بفؤاده وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك وقالا ولقد رآه نزلة أخرى إنما هو جبرائيل وصح عن أبي ذر أنه سأله هل رأيت ربك قال نور أنى أراه أي حال بيني وبين رؤيته النور كما في اللفظ الآخر رأيت نورا وحكى الدارمي اتفاق الصحابة أنه لم يره قال شيخ الاسلام وليس قول ابن عباس مناقضا لهذا ولا قوله رآه بفؤاده وقد صح عنه رأيت ربي تبارك وتعالى لكن هذا في المدينة في منامه وعلى هذا بنى الإمام أحمد فقال نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد ولم يقل إنه رآه في يقظته لكن مرة قال رآه ومرة قال رآه بفؤاده وحكيت عنه رواية من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيهاذلك وأما قول ابن عباس إنه رآه بفؤاده مرتين فإن كان استناده إلى قولهتعالى (ماكذب الفؤاد ما رأى) ثم قال (ولقد رآه نزلة أخرى) والظاهر أنه مستنده فصح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه في صورته مرتين وقول ابن عباس هذا هو مستند احمد في قوله رآه بفؤاده وأما قوله تعالى (ثم دنى فتدلى) فهذا غير الدنو والتدلي في قصة الاسراء فالذي في القرآن جبريل كما قالت عائشة وابن مسعود والسياق يدل عليه فإنه قال علمه شديد القوى الى آخره وأما الدنو والتدلي في الحديث فهو صريح أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه، فما أصبح صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهم فاشتد تكذيبهم له وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس فجلاه الله حتى عاينه وطفق يخبرهم عنه ولا يستطيعون أن يردوا عليه وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه وعن وقت قدومها وعن البعير الذي يقدمها فكان الأمر كما قال فلم يزدهم ذلك إلا نفورا ونقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا إنما كان الإسراء بروحه ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال كان الإسراء مناما وبين أن يقال كان بروحه دون جسده وبينهما فرق عظيم فإن مايراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة فيرى كأنه قد عرج به الى السماء أو ذهب به الى مكة وروحه لم تصعد ولم يذهب وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال والذين قالوا بروحه لم يريدوا أنه كان مناما وإنما أرادوا أن الروح عرج بها حقيقة وباشرت منه حنس ما تباشر بعد المفارقة لكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى يشق بطنه وهو حي لا يتألم عرج بذات روحه حقيقة من غير إماته ومن سواه لاتنال روحه ذلك إلا بعد الموت فإن الأنبياء إنما استقرت أرواحهم في الرفيق الأعلى مع روحه ومع هذا فلها إشراف على البدن بحيث يرد السلام على من سلم عليه وبهذا التعلق رأى موسى يصلي في قبره ورآه في السماء ومعلوم أنه لم يعرج بموسى من قبره ثم رد إليه بل ذلك مقام روحه واستقرارها وقبره مقام بدنه واستقراره الى يوم معاد الأرواح الى أجسادها ومن كثف إدراكه عن هذا فلينظر الى الشمس في علو محلها وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان بها وشأن الروح فوق هذا فقل للعيون الرمد إياك أن تري سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا قال ابن عبد البر كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران انتهى. وكان الإسراء مرة وقيل مرتين مرة يقظة ومرة مناما وأرباب هذا كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وغيره لقوله فيه ثم استيقظت وأنا في المسجد وقوله فيه وذلك قبل أن يوحى إليه ومنهم من قال ثلاث مرات وكل هذا خبط وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل والصواب الذي عليه أئمة أهل النقل أن الاسراء كان مرة واحدة ويا عجبا لهؤلاء كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء ومسلم أورد المسند منه ثم قال فقدم وأخر وزاد ونقص ولم يسرد الحديث وأجاد رحمة الله.


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم