بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
الهجرة الى المدينة وبناء المسجد
وإستقراره صلى الله عليه وسلم بها


فصل في مبدء الهجرة
مبدء الهجرة التي فرق الله بها وبين أوليائه وأعدائه وجعلها مبدأ لاعزاز دينه ونصرة رسوله قال الترمذي حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمران ابن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيا ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس الى الاسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم الى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة فلا يجد أحد ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ويؤذونه ويقولون عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك وهو يدعوهم الى الله ويقول اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا قال وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين عرض نفسه عليهم بنو عامر بن صعصعة ومحارب ابن خصفة وفزارة وغسان ومرة وحنيفة وسليم وعبس وبنو نضر وبنو النكا وكندة وكلب والحارث ابن كعب وعذره والحضارمة فلم يستجب منهم أحد وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبيا سيخرج في هذا الزمان فنتبعه ونقتلكم معه قل عاد وإرم وكانت الأنصار يحجون البيت كما كانت العرب تحجه دون اليهود فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس الى الله وتأملوا أحواله قال بعضهم لبعض تعلمون والله ياقوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه وكان سويد بن الصامت من الأوس قد قدم مكة فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبعد ولم يجب حتى قدم أنس بن رافع في فتية من بني عبد الأشهل يطلبون الحلف فدعاهم الى الاسلام فقال إياس بن معاذ وكان شابا ياقوم هذا والله خير مما جئنا له فضربه أنس وانتهره فسكت ثم لم يتم لهم الحلف فانصرفوا الى المدينة ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج أسعد بن زرارة وجابر بن عبد الله ابن رئاب وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر فدعاهم الى الإسلام فأسلموا ثم رجعوا الى المدينة فدعوا الناس الى الإسلام فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا الستة الأول خلا جابر ومعهم معاذ بن الحارث أخو عوف وذكوان بن عبد قيس وقد أقام ذكوان بمكة حتى هاجر الى المدينة فهو مهاجري أنصاري وعبادة بن الصامت ويزيد ابن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويمر بن مالك قال أبو الزبير عن جابر إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة وعكاظ من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة فلم يجد أحدا حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن الى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون احذر غلام قريش ويمشي بين رجالهم يدعوهم الى الله وهم يشيرون اليه بالأصابع حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منها فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه فاجتمعنا وقلنا حتى متى رسول الله يطرد في جبال مكة فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدناه بيعة العقبة فقال له العباس ما أدري ما هؤلاء القوم إني ذو معرفة بأهل يثرب فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال هؤلاء قوم لانعرفهم هؤلاء أحداث فقلنا يارسول الله علام نبايعك قال على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقوموا في الله لاتأخذكم لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغرهم فقال رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وأن تعضكم السيوف فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله قالوا أمط عنا يدك فو الله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا يعطينا بذلك الجنة ثم انصرفوا إلى المدينة وبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يعلمان الناس القرآن ويدعوان الى الله فنزلا على أسعد بن زرارة وكان مصعب يؤمهم وجمع بهم لما بلغوا أربعين فأسلم على أيديهما بشر كثير منهم أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل إلا الأصيرم تأخر إسلامه الى يوم أحد فأسلم حينئذ وقاتل حتى قتل ولم يسجد لله سجدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل قليل وأجر كثير وكثر الاسلام في المدينة وظهر ثم رجع مصعب الى مكة ووافى الموسم ذاك العام خلق كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين وزعيم القوم البراء بن معرور وكانت بيعة العقبة وكان أول من بايعه البراء بن معرور وكانت له اليد البيضاء إذ أكد العقد وبادر إليه واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبا فلما تمت البيعة استأذنوه على أن يميلوا على أهل العقبة بأسيافهم فلم يأذن لهم وصرخ الشيطان على العقبة بأنفذ صوت سمع يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصبأة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة أما والله ياعدو الله لأتفرغن لك ثم أمرهم أن يرفضوا الى رحالهم فلما أصبحوا غدت عليهم أشراف قريش فقالوا بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا وايم الله ماحي من العرب أبغض الينا من أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم فانبعث من هناك من المشركين يحلفون بالله ماكان هذا وجعل ابن أبي يقول هذا باطل وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا لو كنت بيثرب ماصنع قومي هذا حتى يؤامروني فرجعت قريش ورحل البراء الى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين وطلبتهم قريش فأدركوا سعد بن عبادة فجعلوا يضربونه حتى أدخلوه مكة فجاء مطعم ابن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه منهم وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه فإذا هو قد طلع عليهم فرحلوا جميعا وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة الى المدينة فبادر الناس الى ذلك فكان أول من خرج إليها أبو سلمة وامرأته ولكنها احتبست دونه سنة وحيل بينها وبين ولدها ثم خرجت بعد ذلك بولدها الى المدينة وشيعها عثمان بن أبي طلحة ثم خرج الناس أرسالا ولم يبق بمكة إلا سول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي أقاما بأمره لهما وإلا من احتبسه المشركون كرها وأعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر وأعد أبو بكر جهازه فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا وساقوا الذراري والأموال الى المدينة وأنها دار منعة وأهلها أهل بأس خافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فيشتد عليهم أمره فاجتمعوا في دار الندوة وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد مشتمل الصماء في كسائه فأشار كل واحد برأي والشيخ لايرضاه حتى قال أبو جهل أرى أن تأخذوا من كل قبيلة غلاما جلدا ثم نعطيه سيفا صارما ثم يضربونه ضربة رجل واحد فلا تدري بنو عبدمناف ما تصنع بعد ذلك ونسوق إليهم ديته فقال الشيخ هذا والله الرأي فتفرقوا عليه فجاءه جبريل فأخبره بذلك وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعا فقال له أخرج من عندك فقال إنما هم أهلك يارسول الله فقال إن الله قد إذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحبة يارسول الله قال نعم قال فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب يريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم وهم لايرونه وهو يتلو (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لايبصرون) ومضى الى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة فيه ليلا وجاء رجل فرأى القوم ببابه فقال ماتنتظرون قالوا محمدا قال خبتم وخسرتم قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب فقاموا ينفضون عن رؤوسهم فلما أصبحوا قام علي من الفراش فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا علم لي به ثم مضى وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه وضرب العنكبوت بيتا على بابه وكانا قد استأجرا ابن أريقط الليثي وكان هاديا ماهرا بالطريق وهو على دين قومه وأمناه على ذلك وسلما إليه راحلتيهما وواعداه الغار بعد ثلاث وجدت قريش في طلبهما وأخدوا معهم القافة حتى انتهوا الى باب الغار فوقفوا عليه وكان عامر بن فهيرة يرعى عليهما غنما لأبي بكر وفي الليل يريحها عليهما ومكثا فيه ثلاثا حتى خمدت عنهما نار الطلب ثم جاءهما ابن أريقط بالراحلتين فارتحلا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الدليل أمامهما وعين الله تصحبهما وإسعاده ينزلهما ويرحلهما ولما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما فجد الناس في الطلب والله غالب على أمره فلما مروا بحي بني مدلج مصعدين من قديد بصر بهم رجل من الحي فقال للقوم لقد رأيت بالساحل أسودة ما أراها إلا محمدا وأصحابه ففطن سراقة فأراد أن يكون له الظفر خاصة وقد سبق له من الظفر مالم يكن في حسابه فقال بل هما فلان وفلان خرجا في طلب حاجة لهما ثم مكث قليلا ثم قام فدخل خباءه وقال لخادمه اخرج بالفرس من رواء الخباء وموعدك وراء الأكمة ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه فلما قرب منهم وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات قال أبو بكر يارسول الله هذا سراقة قد رهقنا فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض فقال قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما فادعوا الله لي ولكما علي أن أرد الناس عنكما فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق وسأله أن يكتب له كتابا فكتب له أبو بكر بأمره في اديم وكان الكتاب معه الى يوم فتح مكة فجاء بالكتاب فوفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اليوم يوم وفاء وبر وعرض عليهما الزاد والحملان فقالا لاحاجة لنا به ولكن عم عنا الطلب فقال قد كفيتم ورجع فوجد الناس في الطلب فجعل يقول قد استبرأت لكم الخبر فكان أول النهار جاهدا عليهم وآخره حارسا لهما ثم مرا في مسيرهما ذلك بخيمتي أم معبد الخزاعية ثم الكعبية فسألوها الزاد فلم يصيبوا عندها شيئا وكانوا مسنتين فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى شاة في خيمتهم وسألها هل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك إنما خلفها عن الغنم الجهد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى ودعا فتفاجت عليه ودرت ودعا بإناء يربط الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة وسقاها وسقى أصحابه وشرب آخرهم ثم غادره عندها وارتحلوا عنها ثم قال وأصبح صوت عاليا بمكة يسمعونه ولا يرون القائل جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد فيالقصي مازوى الله عنكم به من فعال لايجازي وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد نبي يرى مالا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد ويهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء مادرينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات والناس يتبعونه يسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها قالت أسماء فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة.
فصل وبلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يخرجون كل يوم الى الحرة ينتظرونه فإذا اشتد حر الشمس رجعوا الى منازلهم فلما كان يوم الاثنتين ثاني عشر ربيع الاول على رأس ثلاثة عشر سنة من نبوته خرجوا على عادتهم فلماحميت الشمس رجعوا وصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فصرخ بأعلى صوته يابني قيلة هذا صاحبكم قد جاء هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوه وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف وكبر المسلمون فرحا بقدومه وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة وأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه والوحي ينزل عليه (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف فنزل على كلثوم ابن الهدم وقيل على سعد بن خيثمة والأول أثبت فأقام فيهم أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء وهو أول مسجد أسس بعد النبوة فلما كان يوم الجمعة ركب بأمر الله له فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته هلم الى العدد والعدة والسلاح والمنعة فقال خلوا سبيلها فإنها مأمورة فلم تزل سائرة به لاتمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ويقول دعوها فإنها مأمورة فسارت حتى وصلت موضع مسجده اليوم فبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ثم التفت ورجعت في موضعها الأول فبركت فنزل عنها وذلك في بني النجار أخواله وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل عليهم ليكرمهم بذلك فجعلوا يكلمونه في النزول عليهم وبادر أبو أيوب الى رحله فأدخله بيته فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المرء مع رحله وجاء أسعد بن زرارة فأخذ ناقته فكانت عنده وأصبح كما قال قيس بن صرمة الأنصاري وكان ابن عباس يختلف إليه يتحفظ منه هذه الأبيات ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير واعيا فلما أتانا واستقرت به النوى وأصبح مسرورا بطيبة راضيا وأصبح لايخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من الناس باغيا بذلنا له الأموال من حل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيره وأن كتاب الله أصبح هاديا، قال ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة وأنزل عليه (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) قال قتادة أخرجه الله من مكة الى المدينة مخرج صدق ونبي الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل الله سلطانا نصيرا وأراه الله دار الهجرة وهو بمكة فقال أريت دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين قال البراء أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن ام مكتوم فجعلا يقرئان الناس القرآن ثم جاء عمار بن ياسر وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون هذا رسول الله قد جاء فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى مسجده وحجره وبعث صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب خالد بن زيد وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم الى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه وسودة زوجته وأسامة بن زيد وأم أيمن وأما زينت فلم يمكنها زوجها أبو العاص من الخروج وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر وفيهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان.
فصل في بناء المسجد
قال الزهري بركت ناقته صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا بل نهبه لك فأبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وكان جدارا ليس له سقف وقبلته الى بيت المقدس وكان يصلي فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور للمشركين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالنخل والشجر فقطع وصفت في قبلة المسجد وجعل طوله مما يلي القبلة مائة ذراع الى مؤخره وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع ثم بنوه باللبن ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه وهو يقول اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وكان يقول هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهره وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن وجعل بعضهم يقول في رجزه لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل المضلل وجعل قبلته الى بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب بابا في مؤخره وبابا يقال له باب الرحمة والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد وقيل له ألا تسقفه فقال لاعريش كعريش موسى وبنى بيوتا الىجانبه بيوت أزواجه باللبن وسقفها بالجذوع والجريد فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد وجعل لسودة بيتا آخر ثم آخى بين المهاجرين والأنصار وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الانصار على المواساة ويتوارثون بعد الموت إلى وقعة بدر فلما نزلت وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض الآية رد التوارث الى الرحم وقيل إنه آخى بين المهاجرين ثانية واتخذ عليا أخا والثابت الأول ولو كان ذلك لكان أحق الناس بأخوته الصديق الذي قال فيه لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخي وصاحبي وهذه الأخوة وإن كانت عامة كما قال وددت أن قد رأينا إخواننا قالوا ألسنا إخوانك قال أنتم أصحابي وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني فللصديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها كما له من الصحبة أعلى مراتبها ووادع من بالمدينة من اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا وبادر حبرهم عبد الله بن سلام ودخل في الاسلام وأبى عامتهم إلا الكفر وكانوا ثلاث قبائل بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وحاربه الثلاثة فمن على بني قينقاع وأجلى بني النضير وقتل بني قريظة سبى ذريتهم ونزلت سورة الحشر في بني النضير والأحزاب في بني قريظة وكان يصلي إلى بيت المقدس وقال لجبريل وددت أن يصرف الله وجهي عن قبلة اليهود فقال إنما أنا عبد فادع ربك واسأله فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك فأنزل الله عليه (قد نرى تقلب وجهك في السماء) الآية وذلك بعد ستة عشر شهرا من مقدمه المدينة قبل بدر بشهرين وكان في ذلك حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين فأما المسلمون فقالوا آمنا به كل من عند ربنا وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم وأما المشركون فقالوا كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع الى ديننا وما رجع إليها إلا أنه الحق وأما اليهود فقالوا خالف قبلة الأنبياء قبله وأما المنافقون فقالوا مايدري أن يتوجه إن كانت الأولى حقا فقد تركها وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل وكثرت أقاويل السفهاء من الناس وكانت كما قال الله تعالى (وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى الله) وكانت محنة من الله ليرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ولما كان شأن القبلة عظيما وطأ سبحانه قبلها أمر النسخ وقدرته عليه وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله ثم عقبه بالتوبيخ لمن تعنت على رسوله ولم ينقد له ثم ذكر اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء وحذر عباده عن موافقتهم واتباع أهوائهم ثم ذكر كفرهم به وقولهم أن له ولد سبحانه وتعالى ثم أخبر أنه له المشرق والمغرب فأينما يولي عباده وجوههم فثم وجهه وهو الواسع العليم فلعظمته وسعته وإحاطته أينما توجه العبد فثم وجه الله ثم أخبر أنه لايسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لايتابعونه ثم أخبره أن أهل الكتاب لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ثم ذكر أهل الكتاب نعمته عليهم وخوفهم بأسه ثم ذكر خليله باني بيته وأثنى عليه وأخبر أنه جعله إماما للناس ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له وفي ضمن هذا أن بانيه كما هو إمام للناس فكذا البيت الذي بناه إمام لهم ثم أخبر أنه لايرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس ثم أمر عباده أن يأتموا به ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى النبيين ثم رد على من قال إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودا أو نصارى وجعل هذا كله توطئة بين يدي تحويل القبلة وأكد سبحانه الأمر مرة بعد مرة وأمر به حيث كان رسوله ومن حيث خرج وأخبر سبحانه أن الذي يهدي من يشاء الى صراط مستقيم هو الذي هداهم لهذه القبلة وأنها لهم وهم أهلها لأنها أفضل القبل وهم أفضل الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب وأخرجهم في خير القرون وخصهم بأفضل الشرائع ومنحهم خير الأخلاق وأسكنهم خير الأرض وجعل منازلهم في الجنة خير المنازل وموقفهم في القيامة خير المواقف فهم على تل عال والناس تحتهم فسبحان من يختص برحمته من يشاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة ولكن الظالمين يحتجون عليهم بتلك الحجج التي ذكرت ولا يعارض الملحدون الرسل إلا بها وبأمثالها وكل من قدم على أقوال الرسول سواها فحجته من جنس حجج هؤلاء وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليتم نعمته عليهم وليهديهم ثم ذكرهم نعمه عليهم بإرسال رسوله وإنزال كتابه يزكيهم به ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم مالم يكونوا يعلمون ثم أمرهم بذكره وشكره إذ بهما يستوجبون تمام النعمة والمزيد ويستجلبون ذكره لهم ومحبته لهم ثم أمرهم بما لايتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به وهو الصبر والصلاة وأخبر أنه مع الصابرين وأتم نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم والليلة خمس مرات وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين آخريين بعد أن كانت ثنائية وكل هذا بعد مقدمه المدينة.
فصل فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة
فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده الله بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم بعد العداوة فمنعته أنصار الله وكتيبة الاسلام من الأسود والأحمر وبذلوا أنفسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج وكان أولى بهم من أنفسهم رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة وصاحوا بهم من كل جانب والله تعالى يأمرهم بالصبر والعفور والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله علىنصرهم لقدير) وقيل إن هذا بمكة لأن السورة مكية وهذا غلط لوجوده أحدها أن الله لم يأذن في القتال بمكة الثاني أن السياق يدل على أن الإذن بعد إخراجهم من ديارهم بغير حق الثالث أن قوله هذان خصمان نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر الرابع أنه خاطبهم فيها بقوله ياأيها الذين آمنوا والخطاب بذلك كله مدني الخامس أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم اليد وغيره ولا ريب أن الأمر المطلق بالجهاد إنما كان بعد الهجرة السادس أن الحاكم روى في مستدركه عن ابن عباس بإسناده على شرطهما قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا اليه راجعون ليهلكن فأنزل الله عز وجل (أذن للذين يقاتلون) الآية وهي أول آية نزلت في القتال انتهى. وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنيته مكية والله أعلم، ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم فقال تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة وكان محرما ثم مأذونا به ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورا به لجميع المشركين إما فرض عين على أحد القولين أو كفاية على المشهور والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما باليد وإما بالمال فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع وأما الجهاد بالنفس ففرض كفاية وأما بالمال ففي وجوبه قولان والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء وعلق النجاة من النار والمغفرة ودخول الجنة به فقال تعالى (يا أيها الذي آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) الآيات وأخبر سبحانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم وأعاضهم عنها الجنة وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه ثم أكده بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى ثم أكده بأن أمرهم أن يستبشروا بذلك ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم فليتأمل العاقل مع ربه ما أجل هذا العقد فإن الله عز وجل هو المشتري والثمن الجنة والذي جرى على يديه هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة ومن البشر وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم قد هيؤوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل مهر الجنة والمحبة بذل النفس والمال لمالكهما فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة بالله ماهزلت فيستأمها المفلسون وما كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس فتأخر البطالون وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل لاتثبت هذه الدعوة إلا ببينة (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه وطولبوا بعدالة البينة فقيل لاتقبل العدالة إلا بتزكية يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون فقيل لهم إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة من جرى العقد على يديه ومقدار الكتاب الذي اثبت فيه عرفوا أن لهذه السلعة شأنا ليس لغيرها فرأوا من الغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذتهاوتبقى تبعتها فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضا واختيارا من غير ثبوت خيار فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا والان قد رددناها عليكم أوفر ماكنت وأضعاف أموالكم معها (ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) الآية لم نتبع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول البيع والإعطاء عليه أجل الأثمان ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن وتأمل قصة جابر وجمله كيف وفاه الثمن وزاده ورد عليه البعير فذكره بهذا الفعل حال الله مع أبيه وأخبره أن الله أحياه وكلمه كفاحا وقال: " ياعبدي تمن علي أعطيك " فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق لقد أعطى السلعة وأعطى الثمن ووفقه لتكميل العقد وقبل المبيع على عيبه وأعطى عليه أجل الأثمان واشترى عبده من نفسه بماله وجمع له بين الثمن والمثمن وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد وهو الذي وفقه له وشاءه منه فحيهل
إن كنت ذا همة فقد حدى بك حادي الشوق فاطوي المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا مادعي لبيك ألفا كواملا
ولاتنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا
وخذ منهم زادا إليهم وسر على طريق الهدى والحب تصبح واصلا
ولاتنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا
واحي بذكراهم سراك إذا ونتركابك فالذكرى تعيدك عاملا
وإما تخافن الكلال فقل لها أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا
وخذ قبسا من نورهم ثم سر به فنورهم يهديك ليس المشاعلا
وحي على واد الأراك فقل به عساك تراهم ثم إن كنت قائلا
وإلا ففي نعمان عند معرف الأحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا
وإلا ففي جمع بليلته فإن تفت فمني ياويح من كان غافلا
وحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى بها كنت نازلا
ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا وقفت على الأطلال تبكي المنازلا
وحي على يوم المزيد بجنة الخلود فجد بالنفس إن كنت باذلا
فدعها رسوما دارسات فما بها مقيل وجاوزها فليست منازلا
وخذ يمنة عنها على المنهج الذي عليه سرى وفد المحبة آهلا
وقل ساعدي يانفس بالصبر ساعة فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية وأسمع الله من كان حيا فهزه السماع إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره فما حطت به رحاله إلا بدار القرار فقال انتدب الله لمن خرج في سبيله لايخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بمانال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ولولا أن أشق على أمتي ماقعدت خلف سرية ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل وقال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بأيات الله لايفتر عن صيام ولا صلاة حتى يرجع وقال غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها وقال الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم وقال أنا زعيم أي كفيل لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيبت في ربض الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت في أعلا الجنة من فعل ذلك لم يدع للخير مطلبا ولا من الشر مهربا يموت حيث يشاء أن يموت وقال من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة وقال إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله مابين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة وقال من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غارما في غرمه أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وقال من اغبرت قدماه في سبيل الله حرممها الله على النار وقال لايجتمع شح وإيمان في قلب رجل ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد وقال رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان وقال لرجل حرس المسلمين ليلة على ظهر فرسه من أولها الى الصباح لم ينزل إلا لصلاة أو قضاء حاجة قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها وذكر أبو داود عنه من لم يغز ولم يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة وفسر أبو أيوب الأنصاري الإلقاء باليد الى التهلكة بترك الجهاد وصح عنه أن النار أول ماتسعر بالعالم والمنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ليقال.


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم