بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
رقم الفتوى: ( 469 )
الموضوع: قتل الانسان نفسه ليس سبيلا إلى النجاة.
المفتى: فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم. 17 صفر 1362 هجرية
المبادئ :
قتل الإنسان نفسه ليس سبيلا إلى نجاته من عذاب اللّه بل هو مما يزيد فى الآثام والذنوب، فهو كبيرة من أعظم الكبائر، وإنما السبيل إلى النجاة من العذاب هو التوبة الصادقة بالندم والعزم الصادقين على عدم العودة.
سُئل :
شاب مسلم فشل فى دراسته، فأخذ فى البحث عن عمل يبعده عن الأفكار الأثيمة التى تراوده فلم ينفع، ووجد نفسه قد صار فى طريق المعصية بعد طاعة اللّه. وأخذ يحاسب نفسه فى يوم ما ووجد ما ينتظره من عذاب فى الآخرة، ففكر فى قتل نفسه لعل اللّه يغفر له. ولكنه قرأ قول اللّه تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب اللّه عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } النساء 93 ، وإزاء حيرته طلب بيان الحكم الشرعى فى ذلك.
أجاب :
اطلعنا على كتابكم هذا. ونفيد أن السبيل لك إلى نجاتك من عذاب اللّه أن تتوب إلى اللّه توبة صادقة خشية منه سبحانه وتعالى وخوفا من عقابه بأن تندم ندما صادقا من قلبك على ما اقترفت. فإذا وجد الندم والعزم الصادقان وانكسر قلبك ذلا لله وخوفا من عقابه. كانت توبتك حينئذ صادقة، ونجاك اللّه من عذاب ما اقترفت من سيئات، وفرح اللّه بهذه التوبة أكمل فرح وأتمه. كما يدل على ذلك الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد تكون بهذه التوبة أكرم عند اللّه وأفضل منك قبل حصول الذنب الذى تبت منه. أما قتلك نفسك فليس سبيلا إلى نجاتك من عذاب اللّه، بل هو مما يزيد فى آثامك وذنوبك، فإنه كبيرة من أعظم الكبائر. وربما كانت شرا أكبر مما اقترفت من سيئات وذنوب. فقاتل نفسه أشد وزرا من قاتل غيره. وإنما السبيل إلى نجاتك ما هديناك ودللناك عليه. واللّه أسأل أن يوفقك إلى ما يحبه ويرضاه ويجنبك الزلل فى القول والعمل والسلام، واللّه أعلم.

رقم الفتوى: ( 669 )
الموضوع: الدفاع عن النفس مشروع.
المفتى: فضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة.24 رجب 1344 هجرية
المبادئ :
1 - الدفاع عن النفس مقرر فى الشريعة الإسلامية، ولا يختص به مذهب دون مذهب.
2 - من رفع سيفا على مسلم قاصدا قتله كان للمرفوع عليه السيف قتل رافعه ولكن بشرط ألا يكون فى إمكانه دفعه إلا بقتله.
3 - إذا تحقق الشرط المذكور فدفعه فقتله فلا شىء عليه.
4 - إذا قتل رافع السيف - بعد تحقق الشرط - أحد من الناس فلا شىء عليه أيضا.
5- الدفاع عن النفس دعوى لابد من إقامة البينة على صحتها حسب القواعد الفقهية فى ذلك.
سُئل :
1 - هل الدفاع عن النفس من المبادئ المقررة فى الشريعة الإسلامية وفى مذهب أبى حنيفة على الأخص.
2 - وتنص الشريعة الإسلامية على أن الدفاع عن النفس يجب أن يثبته شاهدان أم أن هذا الإثبات مما يترك لرأى المحكمة.
أجاب :
نعم مبدأ الدفاع عن النفس مقرر فى الشريعة الإسلامية، ولا يختص به مذهب أبى حنيفة، وإنا نورد هنا ماجاء فى بعض كتب الحنيفة. قال فى كنز الدقائق وشرحه تبيين الحقائق مانصه (ومن شهر على المسلمين سيفا وجب قتله ولا شىء بقتله ) لقوله عليه الصلاة والسلام من شهر على المسلمين سيفا فقد أطل دمه ( أى أهدره) ولأن دفع الضرر واجب، فوجب عليهم قتله إذا لم يمكن دفعه إلا به، ولا يجب على القاتل شىء لأنه صار باغيا بذلك وكذا إذا شهر على رجل سلاحا فقتله أو قتله غيره دفعا عنه فلا يجب بقتله شىء لما بينا
أما الجواب عن السؤال الثانى. فإنه يؤخذ مما نبينه وهو أن الحجج الشرعية ثلاث البينة والإقرار والنكول، والذى يقدر صحة الدعوى وإقامة البرهان عليها إنما هو القاضى المترافع لديه المنوط بفصل الخصومات وفقا للقواعد المرعية فى الأحكام والله أعلم. تعليق : تعرف هذه الحالة فى القانون المدنى المصرى بحالة حق الدفاع الشرعى وقد اتفق الفقه الإسلامى والغربى فى تقدير حدود معينة لاستعمال هذا الحق، بحيث إذا تعدى مستعمل هذا الحق الحدود المذكورة كان مسئولا مسئولية كاملة عن الضرر الناتج بسبب تجاوزه هذا الحد. كمن هم بقتل إنسان فهم بقتله فجرى الأول فجرى الثانى وراءه وقتله كان مسئولا لزوال حق الدفاع الشرعى بمجرد جرى الأول.

رقم الفتوى: ( 468 )
الموضوع: القصاص بالشنق جائز شرعا.
المفتى: فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم.26 شعبان 1356 هجرية
المبادئ :
1 - اختلف العلماء فى كيفية استيفاء القود. فذهب الكثير منهم إلى أنه يقتل بمثل ما قتل به القتيل إلا إذا كان قد قتله بمحرم كإيجاره الخمر فلا يجوز ذلك. لما جاء بالفتوى من أدلة قرآنية وأحاديث نبوية. وذهب علماء الكوفة ومنهم أبو حنيفة وأصحابه إلى أن القصاص لا يكون إلا بالسيف لحديث لا قود إلا بالسيف وغيره.
2 - الظاهر من مذهب الحنفية هو عدم إرادة منع الاستيفاء بغير السيف إذا كان غيره أسهل وأيسر فى إزهاق الروح.
3 - إذا كان الاستيفاء بغير السيف أيسر وأسرع، فإنه يجوز الاستيفاء به بدلالة نص الحديث (لا قود إلا بالسيف إذا كان غيره مثله فى يسر وسرعة إزهاق الروح، ولأن العلة فى كون القصاص بالسيف هى أن القتل به أيسر
وأسهل. فإذا وجد نوع من القتل بطريقة لم تكن معهودة وكانت أسرع فى إزهاق الروح، فالظاهر أنه يجوز بها. بدلالة نص الحديث. 4 - إذا كان القتل بالمشنقة أسرع وأسهل من القتل بالسيف جاز ذلك.
سُئل :
من حضرة سكرتير مجلس ولاية بهويال بالهند والى محمد بما ترجمته حسبما ورد من وزارة الحقانية بكتابها رقم 5007 46 21 6 فى 24 أكتوبر سنة 1937. سيدى العزيز تحية واحتراما وبعد فإن عقوبة الإعدام تنفذ فيمن يحكم عليهم بها فى الولايات الإسلامية الهامة فى الهند مثل بهويال وحيدر اباد ونوتسك وخير بور وغيرها على أنها قصاص. وذلك بمباشرة فصل الرأس عن الجسم بترا بالسيف. ويرى بعضهم أن هذه الطريقة فيها شىء من القسوة. ويقترحون استبدالها بطريقة الإعدام شنقا. ولكن أئمة الدين الإسلامى وعلماءه يخالفونهم فى الرأى ويرون التمسك بالطريقة المعمول بها قديما وهى استخدام السيف فى فصل الرأس عن الجسم عند إعدام المحكوم عليه. فحبذا لو تكرمتم بإفادتى بما هو متبع فى مصر وتركيا وإيران وتونس ومراكش وبما يراه المبرزون من رجال الدين بمصر فى هذه النقطة. وإننى أستميحكم العذر وأرجو أن تتفضلوا بقبول شكرى سلفا مع عظيم احتراماتى.
أجاب :
اطلعنا على الترجمة العربية لكتاب حضرة سكرتير مجلس ولاية بهويال بالهند المؤرخ 18 أغسطس سنة 1937 الوارد إلينا مع كتاب وزارة الحقانية رقم 5007 المؤرخ 24 أكتوبر سنة 1937 بشأن الاستفتاء عن تنفيذ القصاص بغير السيف. ونفيد أن علماء المسلمين قد اختلفوا فى كيفية استيفاء القود. فذهب كثير من العلماء إلى أنه يقتل القاتل بمثل ما قتل به المقتول إلا إذا كان قتله بشىء محرم شرعا كإيجاره الخمر فإنه لا يجوز أن يقتل بذلك. وقد استدلوا على مذهبهم بظاهر قوله تعالى { ولكم فى القصاص حياة } البقرة 179 ، فإن كلمة القصاص تنبئ عن معنى المماثلة والمساواة وبقوله تعالى { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } النحل 126 ، وبقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } البقرة 194 ، وبقوله تعالى { وجزاء سيئة سيئة مثلها } الشورى 40 ، وبما رواه الجماعة غير أنس أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا فلان أو فلان حتى سمى اليهودى فأومأت برأسها فجئ به فاعترف فأمر به النبى صلى اللّه عليه وسلم فرض رأسه بحجرين وبما أخرجه البيهقى والزار عنه صلى اللّه عليه وسلم من حديث البراء وفيه ومن حرق حرقناه ومن غرق غرقناه فدلت ظواهر الآيات الكريمة وما ورد من الأحاديث على أنه يثبت لولى القتيل حق استيفاء القود بمثل ما قتل به المقتول. وذهب علماء الكوفة ومنهم أبو حنيفة وأصحابه إلى أن القصاص لا يكون إلا بالسيف. واستدلوا بما روى عنه صلى اللّه عليه وسلم من قوله لا قود إلا بالسيف وهذا الحديث قد روى من طرق يقوى بعضها بعضا فيكون حسنا يقبل الإثبات به. وقد بين الشيخ علاء الدين الماردينى الشهير بابن التركمانى فى كتابه الجوهر النقى طرقه ، ثم قال فهذا الحديث قد روى من وجوه كثيرة يشهد بعضها لبعض فأقل أحواله أن يكون حسنا فلا يضر حينئذ تضعيف بعض المحدثين لسند هذا الحديث. وبما روى عنه صلى اللّه عليه وسلم من قوله إن اللّه عز وجل كتب الإحسان على كل شىء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته فأمر النبى صلى اللّه عليه وسلم فى هذا الحديث بأن يحسنوا القتلة وإحسان القتلة لا يكون بغير ضرب العنق بالسيف، كم أمر أن يريحوا ما أحل اللّه ذبحه من الأنعام. فما الظن بالآدمى المكرم المحترم. وقد أجابوا عن ظواهر الآيات الكريمة بأن المراد بالمثلية فيها هو المثلية فى مجرد إزهاق الروح، ولا تتناول الآلة لأن استعمال غير السيف يؤدى إلى الاعتداء المنهى عنه فى غير مآربه. فإذا قتل شخص آخر بالضرب مثلا فمات بضربتين واستوفينا القصاص بالضرب أيضا وضرب القاتل حتى مات فجاز ألا يموت إلا بأكثر من ضربتين. وفى ذلك مجاوزة للحد. ولو ضربناه ضربتين وقتلناه بالسيف كان فى ذلك مجاوزة للحد أيضا، وأجابوا عن حديث اليهودى الذى رض رأسه بأنه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون هذا الرض كان مشروعا ثم نسخ، كما نسخت المثلة بالنهى عنها. الثانى أن يكون اليهودى ممن سعى فى الأرض بالفساد فيقتل كما رآه الإمام ليكون أردع وهذا هو الظاهر. فإن قصد اليهودى كان أخذ المال. فقد روى عن أنس ابن مالك رضى اللّه عنه أنه قال عدا يهودى على جارية فأخذ أوضاحا حليا كانت عليها، فيكون القتل على هذا ليس من باب القصاص الذى نحن بصدده وأما حديث ومن حرق حرقناه إلخ فقال البيهقى إن فى إسناده بعض من يجهل وإنما قاله زياد فى خطبته. قال الحنفية إن الثابت حينئذ من الآيات ومن السنة هو إتلاف نفس القاتل بأيسر الوجوه وأوحاها أى أسرعها وليس ذلك إلا بالسيف. فلا يجوز استيفاء القصاص بالتحريق والتغريق والرضخ وما جرى مجرى ذلك. هذه خلاصة أقوال فقهاء المسلمين فى هذا الموضوع. والذى يظهر لنا أن الحنفية ومن قال بمقالتهم لا يريدون إلا أنه لا يجوز القصاص بغير السيف مما يكون مظنة التعدى وتجاوز الحد فى القاص من التحريق والتغريق والضرب. وما جرى مجرى ذلك. ولا يريدون أن يمنعوا استيفاء القود بغير السيف إذا كان غير السيف أيسر وأسهل وأسرع فى إزهاق روح القاتل. كما يتبين هذا من استدلالهم بحديث إن اللّه عز وجل كتب الإحسان على كل شىء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة إلخ (وكما يتبين أيضا من حديث لا قود إلا بالسيف وذلك لأن هذا الحديث يفيد بمنطوقه أمرين أولهما. أنه يجب استيفاء القصاص بالسيف الثانى أنه لا يجوز استيفاؤه بغيره مما لا يكون فى مثل سهولته ويسره. ويفيد أيضا بطريق دلالة النص جواز القتل بغير السيف إذا كان غيره مثله فى سرعة إزهاق الروح ويسره أو أولى منه فى ذلك فإنه يفهم لغة من هذا الحديث أن العلة فى وجوب استيفاء القصاص بالسيف. هى أن القتل به أيسر وأسهل، فإذا وجد نوع من القتل بطريقة لم تكن معهودة، وكانت هذه الطريقة أسرع فى إزهاق الروح وأسهل فظاهر أنه يجوز القتل بها بدلالة نص هذا الحديث. وحينئذ. يكون القصر فى قوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا بالسيف من قبيل القصر الإضافى، والمقصود به أنه لا يستوفى القصاص بغير السيف مما فيه احتمال مجاوزة الحد. والخلاصة أن الأدلة التى استدل بها الحنفية يظهر منها أنه يجوز القتل بغير السيف إذا كان القتل بغيره أسهل وأسرع فى إزهاق روح القاتل. وعلى ذلك إذا كان القتل بالمشنقة على وجه يكون أسرع وأسهل من القتل بالسيف جاز ذلك بمقتضى الأدلة التى استدل بها الحنفية، ويظهر من كلامهم أنهم يجوزون القتل بهذه الطريقة. ومن أراد زيادة البيان فليرجع إلى ما قاله الجصاص فى كتابه آيات الأحكام فى باب كيفية القصاص من الجزء الأول، وما قاله عند قوله تعالى { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } من آخر سورة النحل فى آخر الجزء الثالث من الكتاب، وإلى ما جاء فى باب الرجل يقتل رجلا كيف يقتل، من كتاب معانى الآثار للطحاوى فى الجزء الثانى، وإلى ما قاله الشوكانى فى باب قتل الرجل بالمرأة بالجزء السادس من نيل الأوطار وإلى شرح الزيلعى على الكنز. هذا ما ظهر لنا فى هذاالموضوع. واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

رقم الفتوى: ( 1015 )
الموضوع: حكم التحريض على القتل.
المفتى: فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف.9 جمادى الآخرة 1372 هجرية
المبادئ :
1 التحريض على القتل محرم.
2 - إذا كان التحريض مصحوبا بإكراه بملجىء اقتضى القصاص من المحرض على خلاف فى ذلك.
سُئل :
من حرم الشهيد ع ط قالت إن التحقيقات القانونية التى أجريت فى قضية القتل الذى دبر لزوجى الشهيد - قد أثبتت أن فلان كان اليد المحركة للآثمين الجناة. فما حكم الشريعة الغراء فى المحرض على القتل الدافع إليه.
أجاب :
اطلعنا على هذا السؤال، ولم نطلع على التحقيقات الرسمية فى القضية المشار إليها. والجو اب أن التحريض على ارتكاب جريمة القتل المحرم بمعنى الإغراء عليه لا شك أنه حرام شرعا، للنهى عن قتل معصوم الدم بقوله تعالى { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } الإسراء 33 ، وقوله عليه السلام (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) وللوعيد الشديد عليه فى قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } النساء 93 ، ولعظم جرمه ورد فى الحديث أن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء وذهبت طائفة من الأئمة إلى أنه لا توبة لقاتل ، وأن الوعيد لاحق به لا محالة وأن القصاص فى الدنيا لا يمحو عنه الإثم فى الآخرة. والتحريض على القتل المحرم وسيلة إليه، فيحرم بحرمته، لأن للوسائل حكم مقاصدها شرعا. وأما إذا كان التحريض مصحوبا بإكراه وكان المكره قادرا على تحقيق ما أوعد به، وغلب على ظن المكره أنه لو لم يمتثل يلحقه ما أوعد به. فإما أن يكون الإكراه ملجئا - وهو ما كان بنحو التخويف بالقتل أو قطع العضو أو الضرب الشديد الذى يخاف منه تلف النفس أو العضو ويسمى الإكراه التام - ومنه كما ذكره الشافعية الأمر الصادر من ذى سطوة اعتاد فعل ما يحصل به الإكراه عند مخالفته فأمره كالإكراه أو يكون غير ملجىء - وهو ما كان بما دون ذلك من نحو الحبس والقيد والضرب الذى لا يخشى منه التلف ويسمى بالإكراه الناقص - فإذا كان الإكراه على القتل إكراها ملجئا فالقصاص على المكره (الآمر) عند أبى حنيفة ومحمد ولا قصاص على المكره (المأمور) لكونه بمنزلة الآلة - وعند أبى يوسف لا قصاص عليهما وعلى الآمر الدية. وعند المالكية والشافعية والحنابلة يجب القصاص من الآمر لتسببه ومن المأمور لمباشرته - وإن كان الإكراه عليه إكراها غير ملجىء فلا قصاص على المكره (الآمر) بل يقتص من المأمور باتفاق أئمة الحنفية. وكذلك عند المالكية إن لم يكن الآمر حاضرا وقت القتل، فإن كان حاضرا اقتص منهما جميعا وعلى الآمر فى الحالين إثم التحريض مع الإكراه. (راجع بدائع الصنائع فى مذهب الحنفية، وشرح متن خليل فى مذهب المالكية، وتحفة المحتاج وحواشيها فى مذهب الشافعية، والمغنى لابن قدامة فى مذهب الحنابلة) هذا هو حكم الشريعة الغراء فى التحريض، وأما تطبيقه قضاء فيعتمد ثبوت الإكراه لدى المحكمة بعد رفع الدعوى بالطريق الشرعى. والله تعالى أعلم.

رقم الفتوى: ( 1016 )
الموضوع: القصاص وشروطه
المفتى: فضيلة الشيخ حسن مأمون.23 رمضان 1376 هجرية
المبادئ :
1 - لا يقتص من الجانى إلا بتحقق أربعة شروط كونه مكلفا والمقتول معصوم الدم، وأن يكون المجنى عليه مساويا للجانى فى الدين والحرية ذكرا كان الجانى أو أنثى أو المقتول كذلك. غير أن أبا حنيفة لا يشترط المساواة فى الدين، ويرى قتل المسلم بالذمى، وكون القاتل ليس أبا للمقتول على خلاف فى ذلك.
2 - ما يوجب القصاص نفسا يثبت بالإقرار والبينة، ولا يقبل فيها إلا شهادة رجلين عدلين.
3 - لا يثبت القتل إلا بالشهادة القاطعة فيه، والشبهة فيها مانعة من القصاص.
4 - ترجيح أن المتهم قتل المجنى عليه عمدا، مع سبق الإصرار يقتضى الاطمئنان إلى أن الحكم بإعدامه لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.
سُئل :
فى القضية رقم. سنة. جنايات.
أجاب :
تقرير فى القضية المذكورة أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق. والأصل من ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب - فقوله تعالى { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا } الإسراء 33 ، وقوله تعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } النساء 92 ، وقوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } النساء 93 ، وأما السنة - فقد روى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه. وأما الإجماع - فلا خلاف بين المسلمين فى تحريم القتل بغير حق. وقد قسم الفقهاء القتل إلى عدة أقسام منها القتل العمد الموجب للقصاص، وهو أن يتعمد ضربه فى أى موضع من جسده بآلة تفرق الأجزاء، كسلاح ومثقل ولو من حديد ومحدد من خشب أو زجاج أو حجر إلى آخره. وموجبه الإثم كما ذكرنا أولا، والقود عينا. لقوله تعالى { كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } البقرة 178 ، وقوله تعالى { ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب } البقرة 179 ، وقد اشترط الفقهاء فى القصاص أربعة شروط الأول أن يكون الجانى مكلفا، والثانى أن يكون المقتول معصوما، الثالث أن يكون المجنى عليه مكافئا، أى مساويا له فى الدين والحرية والرق، سواء كان القاتل ذكرا أو أنثى، وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى، وفى هذا الشرط خلاف بين الفقهاء. فذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المسلم يقتل بالذمى وهو الراجح المفتى به فى المذهب والذى نرى الإفتاء به. الرابع أن لا يكون القاتل أبا للمقتول على خلاف بين الفقهاء فيه. وقد قرر الفقهاء أن ما أوجب القصاص فى النفس كالقتل العمد يثبت بالإقرار وبالبينة، ولا يقبل فى إثباته بالبينه إلا شهادة رجلين عدلين، فلا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شاهد ويمين الطالب الذى يطلب الحكم بالقصاص (ولى الدم) ولا يعلم فى هذا الحكم خلاف بين العلماء. كما قرروا أيضا أنه لا يثبت القتل بشهادة الشهود إلا مع زوال الشبهة فى الشهادة، مثل أن يقول الشاهدان نشهد أنه ضربه فقتله أو فمات منه، وقد تبين من الاطلاع على أوراق القضية وتحقيقات البوليس والنيابة ومحاضر محكمة الجنايات أنه بينما كان المجنى عليه نائما فى حجرة نومه مع زوجته إذ تسلل إلى حجرة نومهما ليلا المتهم زوج ابنتهما وأطلق على المجنى عليه عيارا ناريا أرداه قتيلا فى الحال، وأن زوجة المجنى عليه حاولت القبض على المتهم وأمسكت بملابسه، ولكنه استطاع أن يهرب منها، وقد شهدت بذلك زوجة المجنى عليه كما حضرت زوجة المتهم وبنت المجنى عليه وشاهدت والدتها تحاول القبض على المتهم، ولا يوجد شهود آخرون، وقد استطاع المتهم الهرب وكان أهم شىء هو البحث عن السلاح الذى ارتكب فى الحادث، وقد أمكن العثور عليه فى بيت أحد الأهالى الذى شهد هو وزوجته بأن المتهم أحضره فى وقت عينه، وتبين أنه يوافق الوقت الذى ارتكبت فيه الحادثة، كما أن والد المتهم وهو عمدة البلدة أكد فى أقواله وفى شهادته أنه لا يوجد من يرتكب هذا الحادث سوى ولده المتهم. وقد وجد بجسم المتهم بعض سجحات يرجح أنها نشأت من تسلقه سور بيت المجنى عليه للتوصل بواسطته إلى حجرة نومه وارتكاب الحادث. وقد استخلصنا من دراستنا أوراق هذه القضية ما يرجح عندنا أن المتهم قتل المجنى عليه عمدا مع سبق الإصرار بعد أن عرف أنه لم يقبل وساطة والده العمدة فى إرجاع زوجته إليه وأنه فعل ذلك وقد عرف فى وسطه بسوء الخلق وكثرة مشاغباته مما يجعلنا نطمئن إلى أن الحكم بإعدامه لا يخالف أحكام الشريعة.

رقم الفتوى: ( 1017 )
الموضوع: توبة المحكوم عليه بالاعدام عند تنفيذ الحكم
المفتى: فضيلة الشيخ حسن مأمون.2 جمادى الآخرة 1379 هجرية
المبادئ :
1 - التوبة النصوح هى الندم على الذنب حين يقع مع الاستغفار وعدم العودة إليه أبدا.
2 - التوبة واجبة على كل مسلم على الدوام وفى كل حال، ويجب أن تكون فى وقت يستطيع فيه المذنب أن يعمل من الحسنات ما يمحو به السيئات قبل أن تصل حياته إلى نهايتها.
3 - التوبة النصوح تلحق صاحبها بمن لم يرتكب معصية أصلا إذا صدرت من المذنب فى وقتها مستوفية لشروطها، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
4 - من قتل ظلما فوجب عليه القصاص فذهب مختارا إلى ولى الدم معترفا بجرمه فاقتص منه كان ذلك منه توبة مقبولة.
5 - من أنكر الذنب حتى أخذت الأدلة بتلابيبه، فحكم عليه بالإعدام قصاصا فتاب وهو فى طريقة إليه لا تقبل توبته، ولا تنجيه من ذنبه الذى أخذ به فى الدنيا.
6 - ما جرى عليه العمل من تلقين التوبة للمذنب عند التنفيذ عليه بالإعدام لا يقطع بقبولها، إلا إذا كان المذنب قد سبقت له التوبة بعد ارتكاب الذنب مستسوفية شرائطها، حيث يكون التلقين الأخير من قبيل تكرار التوبة عن هذا الذنب.
سُئل :
بالطلب المقيد برقم 1445 سنة 1959 أنه عند تنفيذ حكم الإعدام فى مذنب يأتى واعظ السجن يلقنه بعض كلمات يستغفر الله فيها ويتوب مما قدمت يداه، وأن الله تعالى يقول فى سورة النساء { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما. وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار } النساء 17 ، 18 ، وسأل هل توبة المذنب واستغفاره لحظة الموت صحيحة وهل الواعظ وهو يلقى عبارات التوبة والوعظ فى مقامهما وطلب بيان الحكم مدعما بالأسانيد، شاملا القتلة وغيرهم من المذنبين الذين يرتكبون جرائم يحكم عليهم بسببها بالإعدام.
أجاب :
إن التوبة شرعا هى الندم على ارتكاب الإثم، والعزم الصادق على ترك العود إليه، فقد ورد فى الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (التوبة النصوح الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله تعالى ثم لا تعود إليه أبدا) وقال عليه السلام فيما روى عن ابن مسعود - (التوبة من الذنب أن لا تعود إليه أبدا) فمتى وجد العزم والندم الصادقان من المؤمن المذنب على ترك المعصية، وعدم العود إليها، ذلا لله وخوفا من عقابه كانت توبته حينئذ صحيحة، ونرجو أن تكون منجية له من العذاب إن شاء الله. قال تعالى { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات } الشورى 25 ، وقال تعالى { وإنى لغفار لمن تاب } طه 82 ، وهذا وعد من الله لمن أخلص النية فى التوبة من الذنب والندم عليه، ووعده الحق سبحانه لا يتخلف، فضلا منه ورحمة. وقال الغزالى فى إحياء العلوم فى باب التوبة من الجزء الحادى عشر وهى (أى التوبة) واجبة على كل مسلم على الدوام وفى كل حال، لأن البشر قلما يخلو عن معصية بجوارحه، فإنه إن خلا فى بعض الأحوال عن معصية الجوارح، فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب فإن خلا فى بعض الأحوال من الهم، فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله وإن خلا عن ذلك كله فلا يخلو عن غفلة وقصور فى العلم بالله وصفاته وأفعاله، ولكى تكون التوبة مقبولة يجب أن تكون فى وقت يستطيع المذنب فيه أن يعمل من الحسنات ما يمحو به سيئاته، قبل أن تصل به حياته إلى نهايتها ، وتزايله كل ما كان فيه من قوة على اختيار ما ينفعه، حينئذ يتجرع غصة اليأس عن تدارك ما فاته ولا يجد إلى إصلاح حاله سبيلا بعد أن تقطعت من حوله كل السبل على أن يعمل. وأن يعمل خيرا يزيل آثامه، ويجده خيرا فى أخراه عملا بقوله تعالى { إن الحسنات يذهبن السيئات } هود 114 ، وقوله عليه السلام (أتبع السيئة الحسنة تمحها) وإلى ذلك يشير قوله تعالى { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن } وقوله تعالى { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } فإن معنى القريب - قرب العهد بالخطيئة بأن يندم عليها بعد ارتكابها مباشرة، أو بعده بقليل ويمحو أثرها بالحسنات يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على قلبه، فلا يقبل المحو منه. فالتوبة النصوح إذا صدرت من المذنب فى وقتها مستوفية شروطها تلحق التائب بمن لم يرتكب المعصية أصلا. لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. فمن قتل ظالما بقتله ووجب عليه القصاص شرعا وذهب مختارا إلى ولى الدم معترفا بجرمه، واقتص منه ولى الأمر كان ذلك منه توبة مقبولة. يدل لذلك ما روى أن ماعزا لما جاء إلى النبى عليه السلام معترفا بأنه زنى وطلب من الرسول أن يجده، رده عليه السلام، فعاد إليه ثانية فرده فعاد إليه الثالثة، فأمر به فرجم. فكان الناس فيه فريقين، فقائل يقول لقد هلك وأحاطت به خطيئته. وقائل يقول ما توبة أصدق من توبته. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (لقد تاب توبة لو قسمت بين أمته لوسعتهم) وروى أيضا أن الغامدية جاءت الرسول عليه السلام فقالت إنى قد زنيت فطهرنى، فردها، فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردنى لعلك تريد أن ترددنى كما رددت ماعزا، فوالله إنى لحبلى، فقال عليه السلام أما الآن فاذهبى حتى تضعى فلما ولدت أتت بالصبى فى خرقة، فقالت هذا قد ولدته قال اذهبى فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتت بالصبى وفى يده كسرة خبز، فقالت يا نبى الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرض رأسها فتضح الدم على رأسه فسبها، فسمع رسول الله عليه السلام سبه إياها فقال مهلا يا خالد، فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت - أما من لاذ بذنبه فارا به منكرا له حتى أخذت الأدلة بتلابيبه فقضى بإقامة الحد عليه وتاب وهو فى طريقه إلى ساحة القصاص، لم تقبل توبته ولم تكن منجية له من ذنبه الذى اقترفه، لأنها توبة لم تستكمل شرائطها شرعا. فالقاتل الذى لاذ بالفرار متخفيا بجرمه، وأقيمت عليه الدعوى بأنه قتل فلانا عمدا عدوانا، فأنكر فقامت عليه البينة القاضية بالقصاص منه، أو اعترف رغما منه بعد أن حاطته هذه الأدلة، ولم تترك له إلا سبيل الاعتراف بذنبه بعد أن يئس من التخلص منه، وقضى عليه عندئذ بالقصاص، ثم تاب وهو فى طريقه إلى حبل المشنقة لم تقبل توبته، لأنها أيضا لم تستوف شرائط قبولها شرعا، وهكذا كل كبيرة يتوب منها المذنب وهو فى حال يستطيع معه أن يأتى من الحسنات ما يمحو إثمه، فإن توبته فى هذه الحال تكون مقبولة بإذن الله. وإن لم يتب حتى جر إلى ساحة القصاص فتاب عندئذ لم تقبل توبته شرعا. وما جرى عليه العمل من تلقين التوبة للقاتل وقت تنفيذ حكم الإعدام عليه لا يقطع بقبول هذه النوبة. بل ينظر ، فإن كان هذا المذنب قد سبقت له التوبة من هذا الذنب بعد ارتكابه، وكانت توبته فى وقتها مستوفية شروطها، كان تلقينه التوبة حينئذ من قبيل تكرار التوبة عن هذا الذنب، وإن لم يكن سبقت له التوبة من جرمه قبل القضاء عليه بالقصاص، وسوقه إلى إقامة الحد عليه لم تفده توبته، لأنها جاءت فى غير وفتها مجردة عن شروط قبولها. أعاذنا الله من الإثم، وهدانا إلى سواء السبيل. والله الموفق، والله أعلم.

رقم الفتوى: ( 470 )
الموضوع: الدية من التركة
المفتى: فضيلة الشيخ حسونة النواوى. 5 ذى القعدة 1315 هجرية.
المبادئ :
تعتبر الدية من التركة وتقسم بين الورثة حسب الفريضة الشرعية.
سُئل :
فى دية المقتول خطأ عن زوجة وأخ وأخت شقيقين. هل تقسم هذه الدية التى حكم بها بناء على طلب الزوجة بحسب الفريضة الشرعية ويكون للزوجة الربع فيها والباقى للأخوين المذكورين أم كيف الحال.
أجاب :
قال فى رد المحتار ما نصه أعلم أنه يدخل فى التركة الدية الواجبة للقتل الخطأ. وفى التنقيح ما نصه والمستحق للقصاص من يستحق مال القتيل على فرائض اللّه تعالى، يدخل فيه الزوج والزوجة وكذا الدية. وعلى هذا. فتقسم الدية المذكورة بين ورثة المقتول المذكور على فرائض اللّه تعالى. لزوجته الربع فرضا، والباقى للأخ والأخت الشقيقين تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا حيث لا مانع واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

رقم الفتوى: ( 1269 )
الموضوع: قيمة الدية فى الشريعة الإسلامية.
المفتى: فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق. 6 ربيع الأول 1401 هجرية
المبادئ :
1 - الدية فى القتل الخطأ وردت مطلقة فى القرآن، والسنة بينتها وهى واجبة بالاجماع ولم ينكرها أحد، والحكمة فى شرعيتها مع تقديرها شرعا رفع النزاع وهى غير التعويض، وتكون على العاقلة ويدخل الجانى معها على خلاف فى ذلك، وتثبت بالإقرار بالقتل أو بالدليل عليه.
2 - الفتاوى مبينة للحكم الشرعى غير ملزمة فلا تنفذ قهرا إلا بحكم قضائى إلا فى بعض الأحوال.
3 - الصلح فى الدية مشروع وملزم إن تم.
4 - قرار لجنة المصالحات غير ملزم إلا برضى الطرفين بشرط ألا يكون على محرم شرعا.
سُئل :
بالطلب المقيد برقم 172 سنة 1980 المقدم من المواطنة / وقد جاء به وأن السيد / ف ع ا قتل خطأ بسيارته المرحوم / م ع وأن لجنة المصالحات حكمت على صاحب السيارة بدية القتيل يؤديها إلى ولده ع ع ع وقد تحددت الدية بألف دينار من الذهب تقدر قيمتها عند الدفع بقيمة الذهب حسب تقدير أهل هذه الصناعة. وقد أفتى بهذا شيوخ من الأزهر. ثم انتهت الطالبة إلى طلب بيان أصل هذه الفتوى فى الشريعة الإسلامية وهل للفتوى الشرعية الحجية على الكافة شرعا وواجبة النفاذ. أم لا وبيان ما إذا كان قرار لجنة المصالحات يعتبر مشارطة ومن التحكيم الإسلامى أم لا.
أجاب :
قال الله سبحانه وتعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما. ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد لله عذابا عظيما } النساء 92 ، 93 ، وتشير نصوص فقه مذهب ( بدائع الصنائع للكاسانى ج - 7 ص 234 وتكملة فتح القدير على الهدايه ج - 8 ص 252 ) الإمام أبى حنيفة إلى أن القتل الخطأ هو الفعل الصادر من الجانى الخالى من قصد القتل عند مباشرة المقصود لترك التثبت والاحتياط. وفى فقه الإمام مالك ( حدود ابن عرفة ج - 1 ص 477 ) هو ما مسببه غير مقصود لفاعله. باعتبار أن صنفه غير منهى عنه، فيدخل فيه القتل الخطأ بالتسبب. وفى فقه الإمام الشافعى والإمام أحمد ( مغنى المحتاج ج - 4 ص 4 والمغنى لابن قدامة مع الشرح الكبير على متن المقنع ج - 9 ص 320 و 321 ) بن حنبل أن القتل الخطأ هو ما صدر من الإنسان بفعل لم يقصده أصلا، أو قصد دون قصد الشخص المقتول، ويوافق جمهرة فقهاء مذهب الإمام أحمد فقهاء المذهب الشافعى فى هذا التحديد. ولقد شرع الله سبحانه فى الآية المرقومة الدية فى القتل الخطأ دون بيان قدرها، وجاءت السنة الشريفة مبينة لها من هذا ما روى أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا جاء فيه (أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول وأن فى النفس الدية مائة من الإبل إلى أن قال وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار). ( رواه النسائى ، نيل الأوطار للشوكانى ج 7 ص 57 وسبل السلام للصنعانى ج 3 ص 322، وما بعدها ) وقد أجمعت الأمة ( الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج 6 ص 188 ) من لدن النبى صلى الله عليه وسلم على وجوب الدية، ولم يعرف عن أحد أنه أنكرها. والحكمة من شرعية الدية وتقديرها، هى رفع النزاع فى تقدير القيمة إذا وكل إلى أولياء القتيل. وحتى لا يغالب هؤلاء أهل القاتل. وحتى يدخل الناس فى تقديرها عناصر أخرى غير الآدمية، إذ مهما اختلفت منازل الناس وأجناسهم، فهم جميعا أمام تقدير الدماء سواء فلا تفاوت بينهم، لذلك لم يترك الشارع أمر تقديرها للحاكم، بل تولى تقديرها بنفسه. والدية المقررة فى شريعة الإسلام، لا تدخل فى نطاق التعويض أو الغرامة التى تتردد فى قانون العقوبات الوضعى. ذلك لأن الدية وإن أشبهت الغرامة لما فيها من معنى الزجر للجانى بحرمانه من جزء من ماله، إلا أنها تخالفها فى أن الجانى لا يتحمل عبء الدية وحده فى أغلب الأحوال، كما أنها لا تؤول إلى الخزانة العامة كالغرامة. كما أن الدية تختلف عن التعويض إذا يدخل فى عناصر تقدير التعويض مقومات متعددة، مادية وجسدية وأدبية، بينما الدية جاءت مقدرة شرعا، غير داخل فى تقديرها احتساب كل ما نتج عن الجريمة من الأذى والخسارة، وإنما كمقابل للنفس التى هلكت بالقتل فقط أو الأعضاء التى أتلفها الجانى، أما قدر الدية فقد اتفق الفقهاء ( بداية المجتهد ج - 2 ص 401 ) على أن مقدارها فى قتل الحر المسلم مائة من الإبل كما جاء فى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن. ثم اختلفوا فى هل الأصل فى الدية هو الإبل، وأن ما عداها من الأصناف هو تقدير لها أم لا فقال الإمامان أبو حنيفة ومالك وهو أحد قولين فى مذهب الإمام الشافعى إن الدية إنما تكون فى واحد من أصناف ثلاثة هى الإبل والذهب والفضة، وأن كل واحد أصل بنفسه. وذهب الإمام أحمد وصاحبا الإمام أبى حنيفة إلى أن الدية تكون من هذه الأصناف ومن البقر والغنم وانفرد هذان الصاحبان إلى أنها أيضا تكون من الحلل. وقد قالوا إن هذه الأصناف أصول فى الدية. وذهب الإمام الشافعى فى الجديد ورواية عن الإمام أحمد إلى أن الأصل فى الدية الإبل، أما غيرها فهو بديل عنها وقيمة لها. ولكل وجهته وأدلته المبسوطة فى موضعها من كتب الفقه. ومن ثم كان لزاما على فقهاء كل عصر أن يراعوا الميسور المتداول من هذه الأصول. ولما كان الأخذ بالمعيار النقدى أضبط وأيسر وأنسب وكان الذهب من أصول لأثمان، ولا خلاف فى تقدير الدية به فى الشريعة ، فقد وردت نصوص السنة بأنها ألف دينار من الذهب. والدينار اسم للقطعة من الذهب المضروبة المقدرة بالمثقال فهى متحدة من حيث الوزن ولا تفاوت بينها فتكون منضبطة. من يحمل الدية فى القتل الخطأ يحملها فى هذا عاقلة الجانى باتفاق الفقهاء، ويرى الإمامان أبو حنيفة ومالك أنه يحمل معها، بينما يرى فقه الإمامين الشافعى وأحمد أن الجانى لا يحمل مع العاقلة شيئا. وأميل فى هذا الأخذ بقول فقه مذهبى الإمامين أبى حنيفة ومالك، حتى يتحقق الزجر والرجع للجانى، بانتقاض ماله بسبب تقصيره ووقوع جريمته. وإذا ثبت القتل الخطأ بإقرار الجانى أو بدليل شرعى آخر، كانت دية القتيل ألف دينار من الذهب. ولما كان الدينار يزن الآن 4. 25 جراما، تكون جملة الدية 4250 جراما من الذهب تدفع عينا لولى القتيل، أو قيمتها بالنقد السائد حسب سعر الذهب يوم ثبوت هذا الحق، رضاء أو قضاء. وبهذا تكون الفتوى الصادرة من بعض العلماء فى هذا الموضوع صحيحة فى جملتها ذات سند شرعى. هل الفتوى فى مثل هذا الموضع حجة وملزمة شرعا قال الفقهاء إن المفتى مخبر عن الحكم، أما القاضى فملزم بالحكم وله حق الحبس والتعزيز عند عدم الامتثال، كما أن له إقامة الحدود والقصاص. لما كان ذلك تكون الفتوى من حيث هى مبينة للحكم الشرعى، ولكنها غير ملزمة، بمعنى أنها لا تنفذ إلا إذا صدر بمقتضاها حكم قضائى. ومع ذلك تصير الفتوى ملزمة فى الأحوال التالية
(أ) إذا التزم المستفتى العمل بها.
(ب) شروعه فى تنفيذ الحكم الذى كشفته الفتوى.
(ج -) إذا اطمأن قلبه إلى صحة الفتوى والوثوق بها لزمته شرعا.
هل قرار لجنة المصالحات - فى هذا الموضوع - يعتبر مشارطة ، ومن التحكيم الإسلامى أم لا. إن التصالح فى أمر الدية مشروع بنص القرآن الكريم ( الآية 92 من سورة النساء ) بل إن هذا النص فوض لأهل القتيل النزول عن هذه الدية، ومن يملك النزول عن الكل، يملك التصالح فى شأنها. وإذا تم الصلح بين الجانى وولى القتيل فى نطاق ما تقضى به الشريعة، كان صلحا ملزما شرعا.
أما قرار لجنة المصالحات، فليس له فى ذاته قوة الإلزام، إلا إذا ارتضاه طرفا الصلح والتزما به وبشرط ألا يكون صلحا على محرم شرعا. للحديث الشريف الذى رواه أبو داود ( نيل الاوطار للشوكانى ج - 5 ص 254 ) وابن ماجه والترمذى عن عمرو بن عوف أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما. وزاد الترمذى المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما) قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح. والله سبحانه وتعالى أعلم.