بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ابواب حسن الخلق والحلم
والعفو وإحتمال الأذى وغيرها

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب تحريم الكبر والإعجاب
قال الله تعالى: (تِلْك الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ للْمُتَّقِينَ) القصص: 83
وقال تعالى: (وَلاَ تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحاً) الإسراء: 37
وقال تعالى: (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحاً إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مخْتَالٍ فَخُورٍ) لقمان: 18. ومعنى تصعر خدك للناس أيك تميله وتعرض به عن الناس تكبراً عليهم. والمرح: التبختر.
وقال تعالى: (إنَّ قَارونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالْعُصْبَةِ أُولي القُوَّةِ إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُه لاَ تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ) القصص: 76 إلى قوله تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ) الآيات.
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبرٍ فقال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنةً ، قال: إن الله جميلٌ يحب الجمال؛ الكبر بطر الحق وغمط الناس رواه مسلم.
بطر الحق: دفعه ورده على قائله، وغمط الناس: احتقارهم.
O وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: كل بيمينك. قال: لا أستطيع ، قال: لا استطعت ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم.
O وعن حارثة بن وهبٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم بأهل النار : كل عتلٍ جواظٍ مستكبرٍ متفقٌ عليه. وتقدم شرحه في باب ضعفة المسلمين.
O وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها رواه مسلم.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً متفقٌ عليه.
O وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ رواه مسلم. العائل: الفقير.
O وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته. رواه مسلم.
O وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجلٌ يمشي في حلةٍ تعجبه نفسه، مرجلٌ رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة متفقٌ عليه.
مرجلٌ رأسه، أي: ممشطه يتجلجل بالجيمين، أي: يغوص وينزل.
O وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم رواه الترمذي وقال: حديث حسن. يذهب بنفسه: أي: يرتفع ويتكبر.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب حسن الخلق

قال الله تعالى: (وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عِظِيمٍ) ن: 4
وقال تعالى: (وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) الآية آل عمران: 134.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، متفقٌ عليه.
O وعنه قال: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحةً قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط: أفٍ، ولا قال لشيءٍ فعلته: لم فعلته ، ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلت كذا ،. متفقٌ عليه.
O وعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: أهديت رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، فرده علي، فلما رأى ما في وجهي قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرمٌ متفقٌ عليه.
O وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس رواه مسلم.
O وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً. وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً متفقٌ عليه.
O وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
البذي: هو الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ، قال: تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الفم والفرج. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
O وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
O وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم رواه أبو داود.
O وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقاً، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسن خلقه حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح.
الزعيم: الضامن.
O وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً. وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون ، قال: المتكبرون رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
الثرثار: هو كثير الكلام تكلفاً. والمتشدق: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه؛ والمتفيهق: أصله من الفهق، وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه، ويغرب به تكبراً وارتفاعاً، وإظهاراً للفضيلة على غيره.
O وروى الترمذي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله في تفسير حسن الخلق قال: هو طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب الحلم والأناة والرفق

قال الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) آل عمران: 134.
وقال تعالى: (خُذِ الْعَفوَ وَأْمُر بِالعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الجَاهِليَن) الأعراف: 199.
وقال تعالى: (وَلاَ تَسْتَوي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ، فإذا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كأنَّهُ وَليٌّ حَميمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيمٍ) فصلت: 34 - 35.
وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) الشورى: 43.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة. رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله متفقٌ عليه.
O وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه رواه مسلم.
O وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه رواه مسلم.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابيٌ في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماءٍ، أو ذنوباً من ماءٍ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين رواه البخاري.
السجل بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وهي الدلو الممتلئة ماءً، وكذلك الذنوب.
O وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يسروا ولا تعسروا. وبشروا ولا تنفروا متفقٌ عليه.
O وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يحرم الرفق يحرم الخير كله رواه مسلم.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: لا تغضب فردد مراراً؛ قال: لا تغضب. رواه البخاري.
O وعن أبي يعلى شداد بن أوسٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته رواه مسلم.
O وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً، كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى. متفقٌ عليه.
O وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بمن يحرم على النار - أو بمن تحرم عليه النار، تحرم على كل قريبٍ هينٍ لينٍ سهلٍ. رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب العفو والإعراض عن الجاهلين

قال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرفِ وَأَعرِض عَن الجَاهِلِينَ) الأعراف: 199.
وقال تعالى: (فَاصفَحِ الصَّفحَ الجَمِيلَ) الحجر: 85.
وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا، أَلا تَحِبُّونَ أن يَغْفِرَ اللهُ لَكُم) النور: 22.
وقال تعالى: (وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ) آل عمران: 134.
وقال تعالى: (ولَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُور) الشورى: 43.
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشد من يوم أحدٍ ، قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً متفقٌ عليه.
الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة. والأخشب: هو الجبل الغليظ.
O وعنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأةً ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيءٌ قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيءٌ من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى. رواه مسلم.
O وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بردٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌ، فجبذه بردائه جبذةً شديدةً، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاءٍ. متفقٌ عليه.
O وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون متفقٌ عليه.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب متفقٌ عليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب احتمال الأذى

قال الله تعالى: (وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَن النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ) آل عمران: 143،
وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزمِ الأمُورِ) الشورى: 43.
وفي الباب: الأحاديث السابقة في الباب قبله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي ، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله تعالى ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك رواه مسلم. وقد سبق شرحه في باب صلة الأرحام.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى

قال الله تعالى: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيرٌ له عِندَ رَبِّهِ) الحج: 30.
وقال تعالى: (إنْ تَنْصُروا الله يَنْصُرْكُمْ وْيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم) محمد: 7
وفي الباب حديث عائشة السابق في باب العفو.
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلانٍ مما يطيل بنا ، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظةٍ قط أشد مما غضب يومئذٍ؛ فقال: يا أيها الناس: إن منكم منفرين. فأيكم أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة متفقٌ عليه.
O وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفرٍ، وقد سترت سهوةً لي بقرامٍ فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وتلون وجهه وقال: يا عائشة: أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله متفقٌ عليه.
السهوة: كالصفة تكون بين يدي البيت. والقرام بكسر القاف: ستر رقيق، وهتكه: أفسد الصورة التي فيه.
O وعنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: من يجتريء عليه إلا أسامة بن زيدٍ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمه أسامة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حدٍ من حدود الله تعالى ، ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها متفقٌ عليه.
O وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامةً في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكه بيده فقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعضٍ فقال: أو يفعل هكذا متفقٌ عليه.
والأمر بالبصاق عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم

والشفقة عليهم والنهي عن غشهم، والتشديد عليهم، وإهمال مصالحهم، والغفلة عنهم وعن حوائجهم
قال الله تعالى: (وَاخفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) الشعراء: 215.
وقال تعالى: (إنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحسانِ وَإيتاءِ ذِي القُربَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغيِ يَعِظكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ) النحل: 90.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤولٌ عن رعيته، وكلكم راع ومسؤولٌ عن رعيته متفقٌ عيه.
O وعن أبي يعلى معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة.
وفي راويةٍ لمسلم: ما من أميرٍ يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة.
O وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفق بهم، فارفق به رواه مسلم.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل تسميهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌ خلفه نبيٌ، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا، قال: أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم متفقٌ عليه.
O وعن عائذ بن عمروٍ رضي الله عنه أنه دخل على عبيد الله بن زيادٍ، فقال له: أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم. متفقٌ عليه.
O وعن أبي مريم الأزدي رضي الله عنه، أنه قال لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس. رواه أبو داود، والترمذي.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب الوالي العادل

قال الله تعالى: (إنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحسانِ) النحل: 90.
وقال تعالى: (وَأَقْسِطوا إنَّ الله يُحِب المُقْسِطِينَ) الحجرات: 9.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادلٌ، وشابٌ نشأ في عبادة الله تعالى، ورجلٌ قلبه معلقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه متفقٌ عليه.
O وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا رواه مسلم.
O وعن عوف بن مالكٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ، قال: قلنا يا رسول الله، أفلا ننابذهم، قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة رواه مسلم. قوله: تصلون عليهم: تدعون لهم.
O وعن عياض بن حمارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهل الجنة ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مقسطٌ موفقٌ، ورجلٌ رحيمٌ رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلمٍ، وعفيفٌ متعففٌ ذو عيالٍ رواه مسلم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ) النساء: 59.
O وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصيةٍ، فإذا أمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة متفقٌ عليه.
O وعنه قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم متفقٌ عليه.
O وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتةً جاهليةً رواه مسلم. وفي روايةٍ له: ومن مات وهو مفارقٌ للجماعة، فإنه يموت ميتةً جاهليةً. الميتة بكسر الميم.
O وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبدٌ حبشيٌ، كأن رأسه زبيبةٌ رواه البخاري.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرةٍ عليك رواه مسلم.
O وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعةً. فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لم يكن نبيٌ قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أوليها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنٌ يرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع؛ فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر رواه مسلم.
قوله: ينتضل أي: يسابق بالرمي بالنبل والنشاب. والجشر بفتح الجيم والشين المعجمة وبالراء: وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها. وقوله: يرقق بعضها بعضاً أي: يصير بعضها رقيقاً، أي: خفيفاً لعظم ما بعده، فالثاني يرقق الأول. وقيل: معناه: يسوق بعضها إلى بعضٍ بتحسينها وتسويلها، وقيل: يشبه بعضها بعضاً.
O وعن أبي هنيدة وائل بن حجرٍ رضي الله عنه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا ، فأعرض عنه، ثم سأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم رواه مسلم.
O وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ستكون بعدي أثرةٌ، وأمورٌ تنكرونها ، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك ، قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم متفقٌ عليه.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني متفقٌ عليه.
O وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتةً جاهليةً متفقٌ عليه.
O وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أهان السلطان أهانه الله رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح، وقد سبق بعضها في أبواب.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب النهي عن سؤال الإمارة
واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدع حاجة إليه

قال الله تعالى: (تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً في الأَرضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين) القصص: 83.
O وعن أبي سعيدٍ عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألةٍ وكلت إليها، وإذا حلفت على يمينٍ، فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خيرٌ، وكفر عن يمينك متفقٌ عليه.
O وعن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذرٍ إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيمٍ رواه مسلم.
O وعنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني ? فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذرٍ إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامةٌ، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها رواه مسلم.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامةً يوم القيامة رواه البخاري.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور
على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم

قال الله تعالى: (الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ) الزخرف: 67.
O عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما بعث الله من نبيٍ، ولا استخلف من خليفةٍ إلا كانت له بطانتان بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله رواه البخاري.
O وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزير صدقٍ، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوءٍ، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه رواه أبو داود بإسنادٍ جيدٍ على شرط مسلم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات
لمن سألها أو حرص عليها فعرض بها

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله، عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه متفقٌ عليه.

[ كتاب رياض الصالحين : للنووي ]