بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ابواب فضل الزهد والجوع
وخشونة العيش وغيرها

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها
قال الله تعالى: (إنَّمَا مَثَلُ الحيَاةِ الدُّنْيا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ منَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأرضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادرُونَ عَلَيْها أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهارَاً فَجَعَلْنَاهَا حصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يونس: 24
وقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَيَوَةِ الدُّنْيَا كماءٍ أَنْزَلْنَاهُ منَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً. المالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصَّالحَاتُ خَيْرٌ عنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) الكهف: 45، 46
وقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الحيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأمْوَالِ وَالأولاد كَمَثَلِ غَيثٍ أعجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً، وَفي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ منَ اللهِ ورِضوَانٌ وما الحَيَاةُ الدُّنيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ) الحديد: 20
وقال تعالى: (زُيِّنَ للنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ والخَيلِ المُسَوَّمَةِ وَالأنعامِ وَالحَرْثِ ذلكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنيَا واللهُ عنْدَهُ حُسْنُ المآب) آل عمران: 14
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تُغرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ) فاطر: 5
وقال تعالى: (أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ، كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) التكاثر: 1 - 5
وقال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الحَيَوة الدُّنيا إلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت: 64 والآيات في الباب كثيرة مشهورة.
وأما الأحاديث فأكثر من أن تحصر فننبه بطرفٍ منها على ما سواه.
عن عمرو بن عوفٍ الأنصاري، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث أبا عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمالٍ من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال: اظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيءٍ من البحرين ، فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: ابشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم متفقٌ عليه.
O وعن أبي سعيدٍ الخدري، رضي الله عنه، قال: جلس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. متفقٌ عليه.
O وعنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الدنيا حلوةٌ خضرةٌ وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء رواه مسلم وعن أنسٍ، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. متفقٌ عليه.
O وعنه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: يتبع الميت ثلاثةٌ: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحدٌ: يرجع أهله وماله ويبقى عمله. متفقٌ عليه.
O وعنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يؤتى بأنعم الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط ، هل مر بك نعيمٌ قط ، فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط ، هل مر بك شدةٌ قط ، فيقول: لا، والله، ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط رواه مسلم.
O وعن المستورد بن شدادٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فينظر بم يرجع ، رواه مسلم.
O وعن جابرٍ، رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر بالسوق والناس كنفتيه، فمر بجديٍ أسك ميتٍ، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: ايكم يحب أن يكون هذا له بدرهمٍ ، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيءٍ وما نصنع به ، ثم قال: أتحبون أنه لكم ، قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً، أنه أسك. فكيف وهو ميتٌ ، فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم رواه مسلم.
قوله كنفتيه أي: عن جانبيه. والأسك الصغير الأذن.
O وعن أبي ذرٍ رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في حرةٍ بالمدينة، فاستقبلنا أحدٌ فقال: يا أبا ذرٍ. قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: ما يسرني أن عندي مثل أحدٍ هذا ذهباً تمضي علي ثلاثة أيامٍ وعندي منه دينارٌ، إلا شيءٌ أرصده لدينٍ، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله وعن خلفه، ثم سار فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه وقليلٌ ما هم. ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك. ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتاً قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحدٌ عرض للنبي، صلى الله عليه وسلم، فأردت أن آتيه فذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك فلم أبرح حتى أتاني، فقلت: لقد سمعت صوتاً تخوفت منه، فذكرت له، فقال: وهل سمعته ، قلت: نعم، قال: ذاك جبرييل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق ، قال: وإن زنى وإن سرق متفقٌ عليه، وهذا لفظ البخاري.
O وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: لو كان لي مثل أحدٍ ذهباً، لسرني أن لا تمر علي ثلاث ليالٍ وعندي منه شيءٌ إلا شيءٌ أرصده لدينٍ متفقٌ عليه.
O وعنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم متفق عليه وهذا لفظ مسلمٍ.
وفي رواية البخاري: إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه.
وعنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض رواه البخاري.
O وعنه، رضي الله عنه، قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، ما منهم رجلٌ عليه رداءٌ، إما إزارٌ، وإما كساءٌ، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته رواه البخاري.
O وعنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر رواه مسلم.
وعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: أخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريبٌ، أو عابر سبيلٍ.
O وكان ابن عمر، رضي الله عنهما، يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنتظر السماء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.
قالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله. وبالله التوفيق.
O وعن أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي، رضي الله عنه، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس حديثٌ حسنٌ رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنةٍ.
O وعن النعمان بن بشيرٍ، رضي الله عنهما، قال: ذكر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه. رواه مسلم . الدقل بفتح الدال المهملة والقاف: رديء التمر.
O وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما في بيتي من شيءٍ يأكله ذو كبدٍ إلا شطر شعيرٍ في رفٍ لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني. متفقٌ عليه . شطر شعيرٍ أي: شيءٌ من عشيرٍ، كذا فسره الترمذي.
O وعن عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين، رضي الله عنهما، قال: ما ترك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند موته ديناراً، ولا درهماً، ولا عبداً، ولا أمةً، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقةً رواه البخاري.
O وعن خباب بن الأرت، رضي الله عنه، قال: هاجرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نلتمس وجه الله تعالى، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عميرٍ، رضي الله عنه، قتل يوم أحدٍ، وترك نمرةً، فكنا إذا غطينا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه، بدا رأسه، فأمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئاً من الإخذر ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها. متفقٌ عليه . النمرة: كساءٌ ملونٌ من صوفٍ. وقوله: أينعت أي: نضجت وأدركت. وقوله: يهدبها هو بفتح الياء وضم الدال وكسرها، لغتان، أي: يقطفها ويجتنيها، وهذه استعارةٌ لما فتح الله تعالى عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها.
O وعن سهل بن سعدٍ الساعدي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ، ما سقى كافراً منها شربة ماءٍ . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
O وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالماً ومتعلماً . رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
O وعن عبد الله بن مسعودٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا . رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
O وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، قال: مر علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نعالج خصاً لنا فقال: ما هذا ، فقلنا: قد وهى، فنحن نصلحه، فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك . رواه أبو داود، والترمذي بإسناد البخاري ومسلم، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
O وعن كعب بن عياضٍ، رضي الله عنه، قال: قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: إن لكل أمةٍ فتنةً، وفتنة أمتي المال رواه الترمذي قال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
O وعن أبي عمروٍ، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو ليلى عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ليس لابن آدم حقٌ في سوى هذه الخصال: بيتٌ يسكنه، وثوبٌ يواري عورته وجلف الخبز، والماء رواه الترمذي وقال: حديث صحيح . قال الترمذي: سمعت أبا داود سليمان بن سالمٍ البلخي يقول: سمعت النضر بن شميلٍ يقول: الجلف: الخبز ليس معه إدامٌ. وقال غيره: هو غليظ الخبز. وقال الهروي: المراد به هنا وعاء الخبز، كالجوالق والخرج، والله أعلم.
O وعن عبد الله بن الشخير بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين رضي الله عنه، أنه قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ، رواه مسلم.
O وعن عبد الله بن مغفلٍ، رضي الله عنه، قال: قال رجلٌ للنبي، صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، والله إني لأحبك، فقال: انظر ماذا تقول ، قال: والله إني لأحبك، ثلاث مراتٍ، فقال: إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافاً، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه رواه الترمذي وقال حديث حسن . التجفاف بكسر التاء المثناة فوق وإسكان الجيم وبالفاء المكررة، وهو شيءٌ يلبسه الفرس، ليتقى به الأذى، وقد يلبسه الإنسان.
O وعن كعب بن مالكٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف، لدينه رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح .
O وعن عبد الله بن مسعودٍ، رضي الله عنه، قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم، على حصيرٍ، فقام وقد أثر في جنبه. قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً . فقال: ما لي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرةٍ ثم راح وتركها . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
O وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عامٍ رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
O وعن ابن عباسٍ، وعمران بن الحصين، رضي الله عنهم، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء متفقٌ عليه من رواية ابن عباسٍ.
ورواه البخاري أيضاً من رواية عمران بن الحصين.
O وعن أسامة بن زيدٍ، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين. وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار متفقٌ عليه.
والجد الحظ والغنى. وقد سبق بيان هذا الحديث في باب فضل الضعفة . وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أصدق كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمة لبيدٍ: ألا كلّ شيءٍ ما خلا الله باطل ، متفقٌ عليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب فضل الجوع وخشونة العيش

والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعدِهِم خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلقَوْنَ غَيّاً إلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً) مريم: 59، 60
وقال تعالى: (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قال الَّذينَ يُريدُونَ الحَيَوةَ الدُّنْيَا يا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنهُ لَذُو حَظٍّ عَظيمٍ. وَقَالَ الَّذينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالحاً) القصص: 79 - 80
وقال تعالى: (ثمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ) التكاثر: 8
وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلنا لَهُ فِيها ما نَشَاءُ لمَن نُريدُ ثمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) الإسراء: 18. والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ.
وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ما شبع آل محمد، صلى الله عليه وسلم، من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض. متفقٌ عليه . وفي رواية: ما شبع آل محمد، صلى الله عليه وسلم، منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليالٍ تباعاً حتى قبض.
O وعن عروة عن عائشة، رضي الله عنها، أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال: ثلاثة أهلةٍ في شهين، وما أوقد في أبيات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نارٌ. قلت: يا خالة فما كان يعيشكم ، قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيرانٌ من الأنصار، وكانت لهم منائح وكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا. متفق عليه.
O وعن أبي سعيدٍ المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه مر بقومٍ بين أيديهم شاةٌ مصليةٌ، فدعوه فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري . مصليةٌ بفتح الميم: أي: مشويةٌ.
O وعن أنسٍ رضي الله عنه، قال: لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوانٍ حتى مات، وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات. رواه البخاري . وفي روايةٍ له: ولا رأى شاةً سميطاً بعينه قط.
O وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه، رواه مسلم . الدقل: تمرٌ رديءٌ.
O وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه، قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، فقيل له: هل كان لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل ، قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلاً من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخولٍ ، قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه. رواه البخاري . قوله: النقي: هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء، وهو الخبز الحوارى، وهو: الدرمك. قوله: ثريناه هو بثاءٍ مثلثةٍ، ثم راءٍ مشددةٍ، ثم ياءٍ مثناةٍ من تحت ثم نون، أي: بللناه وعجناه.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ أو ليلة، فإذا هو بأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ، قالا: الجوع يا رسول الله. قال: وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما. قوما فقاما معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان، قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافاً مني. فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بسرٌ وتمرٌ ورطبٌ، فقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياك والحلوب فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما: والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم رواه مسلم . قولها: يستعذب أي: يطلب الماء العذب، وهو الطيب. والعذق بكسر العين وإسكان الذال المعجمة: وهو الكباسة، وهي الغصن. والمدية بضم الميم وكسرها: هي السكين. والحلوب ذات اللبن. والسؤال عن هذا النعيم سؤال تعديد النعم لا سؤال توبيخٍ وتعذيبٍ. والله أعلم. وهذا الأنصاري الذي أتوه هو أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه، كذا جاء مبيناً في رواية الترمذي وغيره.
O وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أميراً على البصرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ فإن الدنيا قد آذنت بصرمٍ، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابةٌ كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً، لا يدرك لها قعراً، والله لتملأن ... أفعجبتم ، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظٌ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعةٍ مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعامٌ إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردةً فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعدٌ بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحدٌ إلا أصبح أميراً على مصرٍ من الأمصار. وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً. رواه مسلم . قوله: آذنت هو بمد الألسف، أي: أعلمت. وقوله: بصرمٍ: هو بضم الصاد. أي: بانقطاعها وفنائها. وقوله: وولت حذاء هو بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، ثم ذال معجمة مشددة، ثم ألف ممدودة، أي: سريعةً والصبابة بضم الصاد المهملة: وهي البقية اليسيرة. وقوله: يتصابها هو بتشديد الباء قبل الهاء، أي: يجمعها. والكظيظ: الكثير الممتليء. وقوله: قرت هو بفتح القاف وكسر الراء، أي: صارت فيها قروحٌ.
O وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أخرجت لنا عائشة رضي الله عنه كساءً وإزاراً غليظاً قالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين. متفقٌ عليه.
O وعن سعد بن أبي وقاصٍ، رضي الله عنه، قال: إني لأول العرب رمى بسهمٍ في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعامٌ إلا ورق الحبلة، وهذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلطٌ. متفقٌ عليه . الحبلة بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة: وهي والسمر؛ نوعان معروفان من شجر البادية.
O وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً متفقٌ عليه . قال أهل اللغة والغريب: معنى قوتاً أي: ما يسد الرمق.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر بي النبي، صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في وجهي وما في نفسي، ثم قال: أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي فدخلت، فوجد لبناً في قدح فقال: من أين هذا اللبن ، قالوا: أهداه لك فلانٌ - أو فلانةٌ - قال: أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهلٍ، ولا مالٍ، ولا على أحدٍ، وكان إذا أتته صدقةٌ بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديةٌ أرسل إليهم، وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربةً أتقوى بها، فإذا جاؤوا وأمرني فكنت أنا أعطيهم؛ وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم بدٌ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال: يا أبا هرٍ قلت: لبيك يا رسول الله قال: خذ فأعطهم قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال: أبا هرٍ قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب فقعدت فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً ، قال: فأرني فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى، وسمى وشرب الفضلة رواه البخاري.
O وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشياً علي، فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنونٌ وما بي من جنونٍ، ما بي إلا الجوع. رواه البخاري.
O وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودرعه مرهونةٌ عند يهوديٍ في ثلاثين صاعاً من شعيرٍ. متفقٌ عليه.
O وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه بشعيرٍ، ومشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعيرٍ، وإهالةٍ سنخةٍ، ولقد سمعته يقول: ما أصبح لآل محمدٍ صاعٌ ولا أمسى وإنهم لتسعة أبياتٍ. رواه البخاري . الإهالة بكسر الهمزة: الشحم الذائب. والسنخة بالنون والخاء المعجمة؛ وهي: المتغيرة.
O وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، ما منهم رجلٌ عليه رداءٌ، إما إزارٌ وإما كساءٌ، قد ربطوا في أعناقهم منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. رواه البخاري.
O وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدمٍ حشوه ليفٌ. رواه البخاري.
O وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجلٌ من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا أخا الأنصار؛ كيف أخي سعد بن عبادة ، فقال: صالحٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعوده منكم ، فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر ما علينا نعالٌ ولا خفافٌ، ولا قلانس، ولا قمصٌ، نمشي في تلك السباخ، حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه. رواه مسلم.
O وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فما أدري قال النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثاً ثم يكون بعدهم قومٌ يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن متفقٌ عليه.
O وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن آدم: إنك أن تبذل الفضل خيرٌ لك، وأن تمسكه شرٌ لك، ولا تلام على كفافٍ، وابدأ بمن تعول رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
O وعن عبيد الله بن محصنٍ الأنصاري الخطمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ . سربه بكسر السين المهملة، أي: نفسه، وقيل: قومه.
O وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد أفلح من أسلم، وكان رزقه كفافاً، وقنعه الله بما آتاه رواه مسلم.
O وعن أبي محمدٍ فضالة بن عبيدٍ الأنصاري رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً، وقنع رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
O وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
O وعن فضالة بن عبيدٍ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس، يخر رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخصاصة - وهم أصحاب الصفة - حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى، لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجةً رواه الترمذي، وقال: حديثٌ صحيحٌ . الخصاصة: الفاقة والجوع الشديد.
O وعن أبي كريمة المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنٍ، بحسب ابن آدم أكلاتٌ يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه . رواه الترمذي وقال: حديث حسن . أكلاتٌ أي: لقمٌ.
O وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الأنصاري الحارثي رضي الله عنه قال: ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً عنده الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسمعون ، ألا تسمعون ، إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان يعني: التقحل. رواه أبو داود . البذاذة: بالباء الموحدة والذالين المعجمتين، وهي رثاثة الهيئة، وترك فاخر اللباس، وأما التقحل فبالقاف والحاء؛ قال أهل اللغة: المتقحل: هو الرجل اليابس الجلد من خشونة العيش، وترك الترفه.
O وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه، نتلقى عيراً لقريشٍ، وزودنا جراباً من تمرٍ لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمرةً، فقيل: كيف كنتم تصنعون بها ، قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله. قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابةٌ تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتةٌ، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، فأقمنا عليه شهراً، ونحن ثلاثمائةٍ، حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعيرٍ معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزقٌ أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيءٌ فتطعمونا ? فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله. رواه مسلم . الجراب: وعاءٌ من جلدٍ معروفٌ، وهو بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح. قوله: نمصها بفتح الميم والخبط ورق شجرٍ معروفٍ تأكله الإبل. والكثيب: التل من الرمل، والوقب: بفتح الواو وإسكان القاف وبعدها باءٌ موحدةٌ، وهو نقرة العين. والقلال الجرار. والفدر بكسر الفاء وفتح الدال: القطع. رحل البعير بتخفيف الحاء: أي جعل عليه الرحل. الوشائق بالشين المعجمة والقاف: اللحم الذي اقتطع ليقدد منه، والله أعلم.
O وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرصغ، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن . الرصغ بالصاد والرسغ بالسين أيضاً: هو المفصل بين الكف والساعد.
O وعن جابر رضي الله عنه قال: إنا كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كديةٌ شديدةٌ، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هه كديةٌ عرضت في الخندق. فقال: انا نازلٌ ثم قام، وبطنه معصوبٌ بحجرٍ، ولبثنا ثلاثة أيامٍ لا نذوق ذواقاً فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب، فعاد كثيباً أهيل، أو أهيم، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما في ذلك صبرٌ فعندك شيءٌ ، فقالت: عندي شعيرٌ وعناقٌ فذبحت العناق، وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم، والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج، فقلت: طعيمٌ لي فقم أنت يا رسول الله ورجلٌ أو رجلان، قال: كم هو، فذكرت له فقال: كثيرٌ طيبٌ، قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار، فدخلت عليها فقلت: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار ومن معهم ، قالت: هل سألك ، قلت: نعم قال: ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا، وبقي منه، فقال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعةٌ متفقٌ عليه .
وفي روايةٍ: قال جابر: لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصاً، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيءٌ؛ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً ، فأخرجت إلي جراباً فيه صاعٌ من شعيرٍ، ولنا بهيمةٌ داجنٌ فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله، ذبحنا بهيمةً لنا، وطحنت صاعاً من شعيرٍ، فتعال أنت ونفرٌ معك، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل الخندق: إن جابراً قد صنع سؤراً فحيهلا بكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك ، فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت عجيناً، فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادع خابزةً فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألفٌ، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو . قوله: عرضت كديةٌ: بضم الكاف وإسكان الدال وبالياء المثناة تحت؛ وهي قطعةٌ غليظةٌ صلبةٌ من الأرض لا يعمل فيها الفأس. والكثيب أصله تل الرمل، والمراد هنا: صارت تراباً ناعماً، وهو معنى أهيل. والأثافي: الأحجار التي يكون عليها القدر. وتضاغطوا: تزاحموا. والمجاعة: الجوع، وهو بفتح الميم. والخمص بفتح الخاء المعجمة والميم: الجوع. وانكفأت: انقلبت ورجعت. والبهيمة بضم الباء: تصغير بهمة، وهي العناق - بفتح العين -. والداجن: هي التي ألفت البيت. والسؤر: الطعام الذي يدعى الناس إليه، وهو بالفارسية، وحيهلاً أي: تعالوا. وقولها: بك وبك أي: خاصمته وسبته، لأنها اعتقدت أن الذي عندها لا يكفيهم، فاستحيت وخفي عليها ما أكرم الله سبحانه وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه المعجزة الظاهرة والآية الباهرة. بسق أي: بصق؛ ويقال أيضاً: بزق - ثلاث لغاتٍ -. وعمد بفتح الميم: أي: قصد. واقدحي أي: اغرفي؛ والمقدحة: المغرفة. وتغط أي: لغلمانها صوتٌ، والله أعلم.
O وعن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو طلحة لأم سليمٍ: قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ ، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعيرٍ، ثم أخذت خماراً لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلك أبو طلحة ، فقلت: نعم، فقال: ألطعامٍ ? فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليمٍ: قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم ، فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلمي ما عندك يا أم سليمٍ فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت عليه أم سليمٍ عكةً فآدمته، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرةٍ فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرةٍ فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرةٍ، فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: فما زال يدخل عشرةٌ ويخرج عشرةٌ، حتى لم يبق منهم أحدٌ إلا دخل، فأكل حتى شبع، ثم هيأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها . وفي رواية: فأكلوا عشرةً عشرةً، حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت، وتركوا سؤراً . وفي روايةٍ: ثم أفضلوا ما بلغوا جيرانهم.
وفي روايةٍ عن أنسٍ قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فوجدته جاساً مع أصحابه، وقد عصب بطنه بعصابةٍ، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه ? فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، وهو زوج أم سليمٍ بنت ملحان، فقلت: يا أبتان، قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابةٍ، فسألت بعض أصحابه، فقالوا: من الجوع. فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيءٍ، قالت: نعم عندي كسرٌ من خبزٍ وتمراتٌ، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قل عنهم، وذكر تمام الحديث.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه

عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن عمر رضي الله عنهم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني ، فقال: خذه ، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ، فخذه فتموله فإن شئت كله، وإن شئت تصدق به، وما لا، فلا تتبعه نفسك قال سالمٌ: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيه. متفقٌ عليه.
مشرفٌ بالشين المعجمة: أي: متطلعٌ إليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء

قال الله تعالى: (فَإذَا قُضِيتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْض وابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله) الجمعة: 10.
عن أبي عبد الله الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمةٍ من حطبٍ على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه. رواه البخاري.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يحتطب أحدكم حزمةً على ظهره، خيرٌ له من أن يسأل أحداً، فيعطيه أو يمنعه متفقٌ عليه.
O وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده رواه البخاري.
O وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان زكريا عليه السلام نجاراً رواه مسلم.
O وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده رواه البخاري.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب النهي عن البخل والشح

قال الله تعالى: (وأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى. ومَا يُغْنِي عنهُ مالهُ إذا تَرَدَّى) الليل: 8 - 11
وقال تعالى: (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ) التغابن: 16.
وأما الأحاديث فتقدمت جملة منها في الباب السابق.
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم رواه مسلم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به

قال الله تعالى: (وَفي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ) المطففين: 26.
وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشرابٍ، فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ، فقال الغلام: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. متفقٌ عليه.
تله بالتاء المثناة فوق، أي: وضعه، وهذا الغلام هو ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
O وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً، فخر عليه جرادٌ من ذهبٍ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى ، قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك رواه البخاري.

[ كتاب رياض الصالحين : للنووي ]