بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ابواب الحث على الخير وطرقه
والاقتصاد في العبادة وغيره

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب: الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر
قال الله تعالى: (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) فاطر: 37، قال ابن عباس، والمحققون: معناه: أو لم نعمركم ستين سنةً، ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، وقيل: معناه: ثماني عشرة سنةً، وقيل: أربعين سنةً. قاله الحسن والكلبي ومسروقٌ. ونقل عن ابن عباس أيضاً. ونقلوا: أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنةً تفرغ للعبادة. وقيل: هو البلوغ.
وقوله تعالى: (وَجَاءَكُم النَّذِيرُ) قال ابن عباس والجمهور: هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: الشيب. قاله عكرمة، وابن عيينة، وغيرهما. والله أعلم.
وأما الأحاديث :
فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعذر الله إلى امريءٍ أخر أجله حتى بلغ ستين سنةً) رواه البخاري. قال العلماء معناه: لم يترك له عذراً إذ أمهله هذه المدة. يقال: أعذر الرجل إذا بلغ الغاية في العذر.
الثاني: عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كان عمر رضي الله عنه يدخلني مع أشياخ بدرٍ، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله ، فقال عمر: إنه من حيث علمتم ، فدعاني ذات يومٍ فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذٍ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله تعالى: (إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) الفتح: 1، فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس ، فقلت: لا، قال: فما تقول ، قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه له قال: (إذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ والْفَتْحُ) وذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّه كانَ تَوَّاباً) الفتح: 3، فقال عمر رضي الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تقول. رواه البخاري.
الثالث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً بعد أن نزلت عليه (إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) إلا يقول فيها: (سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) متفق عليه.
وفي رواية في الصحيحين عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن. معنى: يتأول القرآن أي: يعمل ما أمر به في القرآن في قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ).
وفي رواية لمسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت: (سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك). قالت عائشة: قلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها ، قال: {جعلت لي علامةٌ في أمتي إذا رأيتها قلتها (إذَا جَاءَ نَصْر اللهِ وَالْفَتْح) إلى آخر السورة.
وفي رواية له: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: (سبحان الله وبحمده. أستغفر الله وأتوب إليه). قالت: قلت: يا رسول الله ، أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه ، فقال: {أخبرني ربي أني سأرى علامةً في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؛ فقد رأيتها: (إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) فتح مكة، (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً. فَسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوَّاباً).
الرابع: عن أنس رضي الله عنه قال: إن الله عز وجل تابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، حتى توفي أكثر ما كان الوحي. متفقٌ عليه.
الخامس: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبدٍ على ما مات عليه) رواه مسلم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب: في بيان كثرة طرق الخير

قال الله تعالى: ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ) البقرة: 215،
وقال تعالى: ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ) البقرة: 197،
وقال تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهْ ) الزلزلة: 7،
وقال تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ ) الجاثية: 15
والآيات في الباب كثيرةٌ.
وأما الأحاديث فكثيرة جداً، وهي غير منحصرة، فنذكر طرفاً منها:
O الأول: عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل، قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله قلت: أي الرقاب أفضل قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً، قلت: فإن لم أفعل قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل قال: تكف شرك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك. متفقٌ عليه. الصانع بالصاد المهملة هذا هو المشهور، وروي ضائعاً بالمعجمة: أي ذا ضياعٍ من فقرٍ أو عيالٍ، ونحو ذلك، والأخرق: الذي لا يتقن ما يحاول فعله.
O الثاني: عن أبي ذرٍ أيضاً رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحةٍ صدقةٌ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ. ويجزيء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى رواه مسلم. السلامى بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.
O الثالث عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساويء أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن رواه مسلم.
O الرابع عنه: أن ناساً قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحةٍ صدقةً، وكل تكبيرةٍ صدقةً، وكل تحميدةٍ صدقةً وكل تهليلةٍ صدقةً، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، وفي بضع أحدكم صدقةٌ، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجرٌ قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وزرٌ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ. رواه مسلم. الدثور بالثاء المثلثة: الأموال، واحدها: دثرٌ.
O الخامس: عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليقٍ رواه مسلم.
O السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل سلامى من الناس عليه صدقةٌ كل يومٍ تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقةٌ، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقةٌ، والكلمة الطيبة صدقةٌ، وبكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتميط الأذى عن الطريق صدقةٌ متفق عليه. ورواه مسلم أيضاً من رواية عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه خلق كل إنسانٍ من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصلٍ، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكةً أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ، عدد الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار.
O السابع: عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح متفق عليه. النزل: القوت والرزق وما يهيأ للضيف.
O الثامن: عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نساء المسلمات لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاةٍ متفق عليه. قال الجوهري: الفرس، من البعير: كالحافر من الدابة، قال: وربما استعير في الشاة.
O التاسع: عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستون شعبةً: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان متفقٌ عليه. البضع من ثلاثة إلى تسعةٍ، بكسر الباء وقد تفتح. والشعبة: القطعة.
O العاشر: عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً ثم أمسكه بفيه، حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً فقال: في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ متفقٌ عليه. وفي روايةٍ للبخاري: فشكر الله له فغفر له، فأدخله الجنة. وفي روايةٍ لهما: بينما كلبٌ يطيف بركيةٍ قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغيٌ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به، فسقته فغفر لها به. الموق: الخف. ويطيف: يدور حول ركيةٍ وهي البئر.
O الحادي عشر: عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين رواه مسلم. وفي رواية: مر رجلٌ بغصن شجرةٍ على ظهر طريقٍ فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة. وفي رواية لهما: بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ وجد غصن شوكٍ على الطريق، فأخره فشكر الله له، فغفر له.
O الثاني عشر: عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيامٍ، ومن مس الحصا فقد لغا رواه مسلم.
O الثالث عشر: عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئةٍ كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب رواه مسلم.
O الرابع عشر: عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر رواه مسلم.
O الخامس عشر: عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط رواه مسلم.
O السادس عشر: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى البردين دخل الجنة متفقٌ عليه. البردان: الصبح والعصر.
O السابع عشر: عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً رواه البخاري.
O الثامن عشر: عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل معروفٍ صدقةٌ رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية حذيفة رضي الله عنه.
O التاسع عشر: عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلمٍ يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقةً، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحدٌ إلا كان له صدقةً رواه مسلم. وفي رواية له: فلا يغرس المسلم غرساً، فيأكل منه إنسانٌ ولا دابةٌ ولا طيرٌ إلا كان له صدقةً إلى يوم القيامة. وفي رواية له: لا يغرس مسلم غرساً، ولا يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسانٌ ولا دابةٌ ولا شيءٌ إلا كانت له صدقةً وروياه جميعاً من رواية أنسٍ رضي الله عنه. قوله: يرزؤه أي: ينقصه.
O العشرون: عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد ، فقالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: بني سلمة دياركم؛ تكتب آثاركم، دياركم؛ تكتب آثاركم رواه مسلم. وفي روايةٍ: إن بكل خطوةٍ درجةً رواه مسلم. ورواه البخاري أيضاً بمعناه من رواية أنس رضي الله عنه. وبنو سلمة بكسر اللام: قبيلة معروفة من الأنصار رضي الله عنهم، وآثارهم خطاهم.
O الحادي والعشرون: عن أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجلٌ لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاةٌ فقيل له، أو فقلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إلى رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك ذلك كله رواه مسلم. وفي روايةٍ: إن لك ما احتسبت. الرمضاء: الأرض التي أصابها الحر الشديد.
O الثاني والعشرون: عن أبي محمدٍ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعون خصلةً أعلاها منيحة العنز، ما من عاملٍ يعمل بخصلةٍ منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة رواه البخاري. المنيحة: أن يعطيه إياها ليأكل لبنها ثم يردها إليه.
O الثالث والعشرون: عن عدي بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرةٍ متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لهما عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمانٌ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمةٍ طيبةٍ.
O الرابع والعشرون: عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها رواه مسلم. والأكلة بفتح الهمزة: وهي الغدوة أو العشوة.
O الخامس والعشرون: عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على كل مسلمٍ صدقةٌ، قال: أرأيت إن لم يجد قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قال: أرأيت إن لم يستطع قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل قال: يمسك عن الشر فإنها صدقةٌ متفقٌ عليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب: في الاقتصاد في العبادة

قال الله تعالى: ( طهَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) طه: 1،
وقال تعالى: ( يُرِيد اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة: 185.
وأما الأحاديث: فمنها ، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأةٌ قال: من هذه قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها، قال: مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه. متفقٌ عليه. ومه كلمة نهي وزجرٍ. ومعنى لا يمل الله أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم، ويعاملكم معاملة المال حتى تملوا فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم.
O وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: انتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني متفقٌ عليه.
O وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطعون قالها ثلاثاً، رواه مسلم. المتنطعون: المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد.
O عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين يسرٌ، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة رواه البخاري. وفي رواية له: سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدلجة، القصد القصد تبلغوا. قوله: الدين هو مرفوعٌ على ما لم يسم فاعله. وروي منصوباً، وروي: لن يشاد الدين أحدٌ. وقوله صلى الله عليه وسلم: إلا غلبه، أي: غلبه الدين وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه. والغدوة: سير أول النهار. والروحة: آخر النهار. والدلجة: آخر الليل. وهذا استعارةٌ وتمثيلٌ، ومعناه: استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم، وفراغ قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعبٍ، والله أعلم.
O وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبلٌ ممدودٌ بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل ، قالوا: هذا حبلٌ لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد متفقٌ عليه.
O وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعسٌ لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه متفقٌ عليه.
O وعن أبي عبد الله جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً رواه مسلم. قوله: قصداً: أي بين الطول والقصر.
O وعن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلةً فقال: ما شأنك قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كل فإني صائمٌ، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له: نم فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعاً، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حقٍ حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان رواه البخاري.
O وعن أبي محمدٍ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت الذي تقول ذلك فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فإنك لا تستطيع ذلك؛ فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيامٍ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يومين، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود صلى الله عليه وسلم، وهو أعدل الصيام. وفي رواية: هو أفضل الصيام، فقلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك، ولأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ومالي. وفي روايةٍ: ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ، قلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل: صم وأفطر، ونم وقم فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وإن بحسبك أن تصوم في كل شهرٍ ثلاثة أيامٍ، فإن لك بكل حسنةٍ عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر، فشددت فشدد علي، قلت: يا رسول الله إني أجد قوةً، قال: صم صيام نبي الله داود ولا تزد عليه، قلت: وما كان صيام داود قال: نصف الدهر فكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي روايةٍ: ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلةٍ ، فقلت: بلى يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: فصم صوم نبي الله داود، فإنه كان أعبد الناس، واقرأ القرآن في كل شهرٍ، قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال: فاقرأه في كل عشرين، قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال: فاقرأه في كل عشر، قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال: فاقرأه في كل سبعٍ ولا تزد على ذلك، فشددت فشدد علي، وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا تدري لعلك يطول بك عمرٌ، قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: وإن لولدك عليك حقاً، وفي روايةٍ: لا صام من صام الأبد ثلاثاً. وفي روايةٍ: أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى. وفي روايةٍ قال: أنكحني أبي امرأةً ذات حسبٍ، وكان يتعاهد كنته - أي: امرأة ولده - فيسألها عن بعلها، فتقول له: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: القني به فلقيته بعد ذلك فقال: كيف تصوم ، قلت: كل يوم، قال: وكيف تختم، قلت: كل ليلةٍ، وذكر نحو ما سبق - وكان يقرأ على بعض أهله السبع الذي يقرؤه، يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئاً فارق عليه النبي صلى الله عليه وسلم. كل هذه الروايات صحيحةٌ معظمها في الصحيحين وقليلٌ منها في أحدهما.
O وعن أبي ربعيٍ حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكرٍ رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة قلت: نافق حنظلة قال: سبحان الله ما تقول قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عينٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقي مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك ، قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عينٍ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً ثلاث مراتٍ، رواه مسلم. قوله: ربعيٌ بكسر الراء. والأسيدي بضم الهمزة وفتح السين وبعدها ياءٌ مكسورةٌ مشددةٌ. وقوله: عافسنا هو بالعين والسين المهملتين، أي: عالجنا ولاعبنا. والضيعات: المعايش.
O وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه رواه البخاري.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب: في المحافظة على الأعمال

قال الله تعالى: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِن الْحَقِّ ولا يَكُونُوا كَالَّذِين أُوتُوا الْكتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) الحديد: 16،
وقال تعالى: ( وَقَفَّيْنَا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَم وآتَيْنَاهُ الإنْجيل وجَعَلْنَا في قُلُوبِ الَّذِين اتَّبَعُوهُ رأْفَةً ورحْمَةً ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حقَّ رِعَايَتِهَا ) الحديد: 27،
وقال تعالى: ( وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةِ أَنْكاثاً ) النمل: 92،
وقال تعالى: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) الحجر: 99.
وأما الأحاديث؛ فمنها حديث عائشة: وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه. وقد سبق في الباب قبله.
O وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيءٍ منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل رواه مسلم.
O وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله لا تكن مثل فلانٍ، كان يقوم الليل فترك قيام الليل متفقٌ عليه.
O وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة من الليل من وجعٍ أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً رواه مسلم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب: في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها

قال الله تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا ) الحشر: 7،
وقال تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إنْ هوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) النجم: 3، 4،
وقال تعالى: ( قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) آل عمران: 31،
وقال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ) الأحزاب: 21،
وقال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسهمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً ) النساء: 65،
وقال تعالى: ( فَإنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) النساء: 59، قال العلماء: معناه إلى الكتاب والسنة.
وقال تعالى: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ) النساء: 80،
وقال تعالى: ( وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) الشورى: 52، 53،
وقال تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النور: 63،
وقال تعالى: ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ الله وَالْحِكْمَةِ ) الأحزاب: 34؛
والآيات في الباب كثيرةٌ.
وأما الأحاديث: فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوني ما تركتكم: إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم متفقٌ عليه.
O الثاني: عن أبي نجيحٍ العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعطنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودعٍ فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعةٍ ضلالةٌ رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. النواجذ بالذال المعجمة: الأنياب، وقيل: الأضراس.
O الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: ومن يأبى يا رسول الله قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى رواه البخاري.
O الرابع: عن أبي مسلمٍ، وقيل: أبي إياسٍ سلمة بن عمرو بن الأكوع رضي الله عنه، أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال: كل بيمينك قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم.
O الخامس: عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لمسلمٍ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه. ثم خرج يوماً، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره فقال: عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم.
O السادس: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال: إن هذه النار عدوٌ لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم متفقٌ عليه.
O السابع: عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً فكانت منها طائفةٌ طيبةٌ، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفةٌ منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به متفقٌ عيه. فقه بضم القاف على المشهور، وقيل: بكسرها، أي: صار فقيهاً.
O الثامن: عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل ومثلكم كمثل رجلٍ أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذهبن عنها وأنا آخذٌ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي رواه مسلم. الجنادب: نحو الجراد والفراش، هذا هو المعروف الذي يقع في النار. والحجز: جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل.
O التاسع: عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: إنكم لا تدرون في أيها البركة رواه مسلم. وفي رواية له: إذا وقعت لقمة أحدكم، فليأخذها فليمط ما كان بها من أذىً، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة. وفي رواية له: إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيءٍ من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذىً، فليأكلها، ولا يدعها للشيطان.
O العاشر: عن ابن عباسٍ، رضي الله عنهما، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظةٍ فقال: يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاةً عراةً غرلاً ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) الأنبياء: 103، ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، صلى الله عليه وسلم، ألا وإنه سيجاء برجالٍ من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال؛ فأقول: يا رب أصحابي؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيداً مَا دُمْتُ فِيهمْ ) إلى قوله: ( الْعَزِيز الْحَكيمُ ) المائدة: 117، 118، فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم متفقٌ عليه. غرلاً أي غير مختونين.
اO لحادي عشر: عن أبي سعيدٍ عبد الله بن مغفلٍ، رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن الخذف وقال: إنه لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن متفقٌ عليه. وفي رواية: أن قريباً لابن مغفلٍ خذف؛ فنهاه وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال: إنها لا تصيد صيداً ثم عاد فقال: أحدثك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى عنه، ثم عدت تخذف لا أكلمك أبداً.
O وعن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقبل الحجر - يعني الأسود - ويقول: إني أعلم أنك حجرٌ ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقبلك ما قبلتك. متفقٌ عليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب: في وجوب الانقياد لحكم الله

وما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف أو نهي عن منكر
قال الله تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يجِدُوا في أنْفُسِهمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء: 65،
وقال تعالى: ( إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) النور: 51.
وفيه من الأحاديث حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب قبله، وغيره من الأحاديث فيه.
O عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لما نزلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ( للهِ ما في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأرْضِ وَإنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) الآية البقرة: 283، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والجهاد والصيام والصدقة، وقد أنزلت عيك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولون كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل الله تعالى في إثرها: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ ) فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى؛ فأنزل الله عز وجل: ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَو أخْطَأْنَا )، قال: نعم ( رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِنَا ) قال: نعم ( رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه ) قال: نعم ( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) قال: نعم رواه مسلم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب في النهى عن البدع ومحدثات الأمور

قال الله تعالى: ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ ) يونس: 22،
وقال تعالى: ( مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) الأنعام: 8،
وقال تعالى: ( فإنْ تَنَازَعْتُم في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) النساء: 59 أي: الكتاب والسنة.
وقال تعالى: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سِبِيلِهِ ) الأنعام: 153،
وقال تعالى: ( قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنوبَكُمْ ) آل عمران: 31
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ.
وأما الأحاديث فكثيرةٌ جداً، وهي مشهورةٌ، فنقتصر على طرفٍ منها:
عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ متفقٌ عليه. وفي رواية لمسلمٍ: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ.
O وعن جابرٍ، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيشٍ يقول: صبحكم ومساكم ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه؛ السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالةٌ ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمنٍ من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي رواه مسلم.
O وعن العرباض بن سارية، رضي الله عنه، حديثه السابق في باب المحافظة على السنة.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب في من سن سنةً حسنةً أو سيئةً

قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبِّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا للْمُتَّقِينَ إمَاماً ) الفرقان: 24،
وقال تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) الأنبياء: 73.
وأما الأحاديث: عن أبي عمروٍ، جرير بن عبد الله، رضي الله عنه، قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاءه قومٌ عراةٌ مجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر؛ فتمعر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة؛ فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فاذن وأقام، فصلى ثم خطب؛ فقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إلى آخر الآية: ( إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: ( يَا أَيُّهَا الَذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) تصدق رجلٌ من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرةٍ، فجاء رجلٌ من الأنصار بصرةٍ كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعامٍ وثيابٍ، حتى رأيت وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتهلل كأنه مذهبةٌ؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ رواه مسلم. قوله مجتابي النمار هو بالجيم وبعد الألف باءٌ موحدةٌ. والنمار: جمع نمرةً، وهي: كساءٌ من صوفٍ مخططٌ. ومعنى مجتابيها أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم. والجوب: القطع، ومنه قوله تعالى: ( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بالْوَادِ ) أي: نحتوه وقطعوه. وقوله: تمعر هو بالعين المهملة، أي: تغير. وقوله: رأيت كومين بفتح الكاف وضمها؛ أي: صبرتين. وقوله: كأنه مذهبةٌ هو بالذال المعجمة، وفتح الهاء والباء الموحدة. قاله القاضي عياضٌ وغيره. وصحفه بعضهم فقال: مدهنةٌ بدالٍ مهملةٍ وضم الهاء وبالنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول. والمراد به على الوجهين: الصفاء والاستنارة.
O وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس من نفسٍ تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها لأنه كان أول من سن القتل متفقٌ عليه.

[ كتاب رياض الصالحين : للنووي ]