بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ابواب الصبر واليقين
والإستقامة والمجاهدة وغيرها

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب : الصبر
قال الله تعالى: ( يَا أَيُهَا الَّذينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ) آل عمران: 200،
وقال تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابرِينَ ) البقرة: 155،
وقال تعالى: ( إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) الزمر: 10،
وقال تعالى: ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) الشورى: 43،
وقال تعالى: ( اسْتَعِينُوا بالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابرِينَ ) البقرة: 153،
وقال تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرينَ ) محمد: 31؛
والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرةٌ معروفةٌ.
وعن أبي مالكٍ الحارث بن عاصمٍ الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السموات والأرض، والصلاة نورٌ، والصدقة برهانٌ، والصبر ضياءٌ، والقرآن حجةٌ لك أو عليك. كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه فمعتقها، أو موبقها ) رواه مسلم.
وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنانٍ الخدري رضي الله عنهما: أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيءٍ بيده: ( ما يكن عندي من خيرٍ فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله. وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر ) متفقٌ عليه.
وعن أبي يحيى صهيب بن سنانٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) رواه مسلم.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة رضي الله عنها: " واكرب أبتاه ". فقال: ( ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم ) فلما مات قالت: " يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه "؛ فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها: " أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب " رواه البخاري.
وعن أبي زيدٍ أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه، رضي الله عنهما، قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم: ان ابني قد احتضر فاستشهد فأرسل يقرئ السلام و يقول ( أن الله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمىً، فلتصبر ولتحتسب ) فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها. فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبلٍ، وأبي بن كعبٍ، وزيد بن ثابتٍ، ورجالٌ رضي الله عنهم، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع؛ ففاضت عيناه، فقال سعدٌ: يا رسول الله ما هذا ، فقال: ( هذه رحمةٌ جعلها الله تعالى في قلوب عباده )، وفي روايةٍ: ( في قلوب من شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) متفقٌ عليه . ومعنى تقعقع: تتحرك وتضطرب.
وعن صهيبٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كان ملكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحرٌ، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهبٌ، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر.
فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابةٍ عظيمةٍ قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل ، فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي؛ وكان الغلام يبريء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليسٌ للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرةٍ فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك، فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك ، قال: ربي. قال: ولك ربٌ غيري ، قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبريء الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب؛ فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل بأصحابك ، فقال: كفانيهم الله تعالى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورٍ وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلافاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل بأصحابك ، فقال: كفانيهم الله تعالى. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو ، قال: تجمع الناس في صعيد واحدٍ، وتصلبني على جذعٍ، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وصلبه على جذعٍ، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك. قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌ لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق ) رواه مسلم.
ذروة الجبل: أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها، والقرقور بضم القافين: نوعٌ من السفن، والصعيد هنا: الأرض البارزة، والأخدود: الشقوق في الأرض كالنهر الصغير، وأضرم: أوقد، وانكفأت أي: انقلبت، وتقاعست: توقفت وجبنت.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبرٍ فقال: ( اتقي الله واصبري )، فقالت: إليك عني ؛ فإنك لم تصب بمصيبتي ، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) متفقٌ عليه . وفي رواية لمسلمٍ: تبكي على صبيٍ لها.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: (مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلاَّ الجنَّة) رواه البخاري.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها (أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله تعالى رحمةً للمؤمنين، فليس من عبدٍ يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد) رواه البخاري.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة) يريد عينيه، رواه البخاري.
وعن عطاء بن أبي رباحٍ قال: قال لي ابن عباسٍ رضي الله عنهما: ألا أريك امرأةً من أهل الجنة ? فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله تعالى لي قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك)، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها. متفقٌ عليه.
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) متفقٌ عليه.
وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصبٍ ولا همٍ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غمٍ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) متفقٌ عليه. والوصب: المرض.
وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً قال: (أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)، قلت: ذلك أن لك أجرين ، قال: (أجل ذلك كذلك ما من مسلمٍ يصيبه أذىً؛ شوكةٌ فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته، وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها) متفقٌ عليه. والوعك: مغث الحمى، وقيل: الحمى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يصب منه)، رواه البخاري. وضبطوا يصب: بفتح الصاد وكسرها.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) متفقٌ عليه.
وعن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا، فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) رواه البخاري.وفي رواية: وهو متوسدٌ بردةً وقد لقينا من المشركين شدةً.
وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابسٍ مائةً من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذٍ في القسمة. فقال رجلٌ: والله إن هذه قسمةٌ ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: (فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله) ثم قال: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر). فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً. متفقٌ عليه. وقوله كالصرف هو بكسر الصاد المهملة: وهو صبغٌ أحمر.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان ابنٌ لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني ، قالت أم سليم - وهي أم الصبي -: هو أسكن ما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: (أعرستم الليلة) ، قال: نعم، قال: (اللهم بارك لهما) فولدت غلاماً، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمراتٍ، فقال: (أمعه شيء(ٌ ، قال: نعم، تمراتٌ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه وسماه عبد الله. متفقٌ عليه. وفي روايةٍ للبخاري: قال ابن عيينة: فقال رجلٌ من الأنصار: فرأيت تسعة أولادٍ كلهم قد قرؤوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود. وفي روايةٍ لمسلمٍ: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سليمٍ، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاءً فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيتٍ فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم، قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني ، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله في ليلتكما)، قال: فحملت، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفرٍ لا يطرقها طروقاً فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول أبو صلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، تقول أم سليمٍ: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقنا، وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاماً. فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحدٌ حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر تمام الحديث.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئةٌ) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصنٍ فنزل على ابن أخيه الحر بن قيسٍ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه؛ وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجهٌ عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن فأذن له عمر. فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف: 198، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى. رواه البخاري.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ستكون بعدي أثرةٌ وأمورٌ تنكرونها قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا ، قال: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم) متفقٌ عليه. والأثرة: الانفراد بالشيء عمن له فيه حقٌ.
وعن أبي يحيى أسيد بن حضيرٍ رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلاناً فقال: (إنكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) متفقٌ عليه. وأسيدٌ بضم الهمزة. وحضيرٌ: بحاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ وضادٍ معجمةٍ مفتوحةٍ، والله أعلم.
وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم) متفقٌ عليه وبالله التوفيق.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب في اليقين والتوكل

قال الله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيْماناً وَتَسْلِيماً) الأحزاب: 22،
وقال تعالى: (الَّذينَ قَالَ لَهُم النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيْمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيل. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ، وَاللهُ ذو فَضْلٍ عَظِيمٍ) آل عمران: 173، 174،
وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذي لا يَمُوت) الفرقان: 58،
وقال تعالى: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) إبراهيم: 11،
وقال تعالى: (فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله) آل عمران: 159،
والآيات في الأمر بالتوكل كثيرةٌ معلومةٌ.
وقال تعالى: (وَإنما الْمُؤْمِنُونَ الَّذينَ إذَا ذكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُه زَادَتْهُمْ إيْمَاناً وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلُونَ) الأنفال: 2
والآيات في فضل التوكل كثيرةٌ معروفةٌ.
وأما الأحاديث:
فالأول: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدٌ إذ رفع لي سوادٌ عظيمٌ فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابٍ) ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئاً - وذكروا أشياء - فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما الذي تخوضون فيه ) فأخبروه فقال: (هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فقام عكاشة بن محصنٍ فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (أنت منهم) ثم قام رجلٌ آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (سبقك بها عكاشة) متفقٌ عليه.
الرهيط بضم الراء: تصغير رهطٍ، وهم دون عشرة أنفسٍ. والأفق: الناحية والجانب. وعكاشة بضم العين وتشديد الكاف وبتخفيفها، والتشديد أفصح.
الثاني: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم أعوذ بعزتك؛ لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا تموت، والجن والإنس يموتون) متفقٌ عليه. وهذا لفظ مسلمٍ واختصره البخاري.
الثالث: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أيضاً قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمدٌ صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل رواه البخاري.
وفي روايةٍ له عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الجنة أقوامٌ أفئدتهم مثل أفئدة الطير) رواه مسلم. قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقةٌ.
الخامس: عن جابرٍ رضي الله عنه أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجدٍ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معهم، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرةٍ، فعلق بها سيفه، ونمنا نومةً، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابيٌ فقال: (إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائمٌ، فاستيقظت وهو في يده صلتا ، قال: من يمنعك مني ، قلت: الله - ثلاثاً ولم يعاقبه وجلس). متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: قال جابرٌ: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرةٍ ظليلةٍ تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجلٌ من المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلقٌ بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافني ، قال: ( لا )، قال: فمن يمنعك مني ، قال: ( الله ).
وفي رواية أبي بكرٍ الإسماعيلي في صحيحه: قال: من يمنعك مني ، قال: ( الله )، قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فقال: (من يمنعك مني) ، فقال: كن خير آخذٍ، فقال: (تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله) قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قومٍ يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
قوله: قفل أي: رجع. والعضاه: الشجر الذي له شوكٌ. والسمرة بفتح السين وضم الميم: الشجرة من الطلح، وهي العظام من شجر العضاه. واخترط السيف أي: سله وهو في يده. صلتاً أي: مسلولاً، وهو بفتح الصاد وضمها.
السادس: عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حق وتوكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطانآ( رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.
معناه تذهب أول النهار خماصاً: أي: ضامرة البطون من الجوع، وترجع آخر النهار بطاناً، أي: ممتلئة البطون.
السابع: عن أبي عمارة البراء بن عازبٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا فلان إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك: وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت؛ فإنك إن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا(ً متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ في الصحيحين عن البراء قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: وذكر نحوه، ثم قال: واجعلهن آخر ما تقول).
الثامن: عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالبٍ القرشي التيمي رضي الله عنه - وهو وأبوه وأمه صحابةٌ، رضي الله عنهم - قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: (ما ظنك يا أبا بكرٍ باثنين الله ثالثهما) متفقٌ عليه.
التاسع: عن أم المؤمنين أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية حذيفة المخزومية، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال: (بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي) حديثٌ صحيحٌ رواه أبو داود، والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحةٍ. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهذا لفظ أبي داود.
العاشر: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال - يعني إذا خرج من بيته -: بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان). رواه أبو داود والترمذي، والنسائي وغيرهم. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، زاد أبو داود: فيقول: - يعني الشيطان - لشيطانٍ آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعلك ترزق به) رواه الترمذي بإسنادٍ صحيح على شرط مسلمٍ. يحترف: يكتسب ويتسبب.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب الاستقامة

قال الله تعالى: (فاسْتَقمْ كَما أُمْرتَ) هود: 112،
وقال تعالى: (إنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهمُ المَلائكَةُ أن لا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشرُوا بالْجَنَّةِ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلياؤُكُمْ في الحَياة الدُّنْيَا وَفي الآخرَةِ وَلَكُمْ فيهَا مَا تَشْتَهي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلاً منْ غَفُورٍ رَحيمٍ) فصلت: 30، 32،
وقال تعالى: (إنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئكَ أَصْحَابُ الجنَّةِ خَالدينَ فيهَا جَزَاءً بمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأحقاف: 13، 14.
وعن أبي عمروٍ، وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: (قل: آمنت بالله: ثم استقم) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحدٌ منكم بعمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ، قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ) رواه مسلم.
والمقاربة: القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير. والسداد: الاستقامة والإصابة، ويتغمدني: يلبسني ويسترني.
قال العلماء: معنى الاستقامة: لزوم طاعة الله تعالى؛ قالوا: وهي من جوامع الكلم، وهي نظام الأمور، وبالله التوفيق.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب في التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى

باب في التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة
قال الله تعالى: (إنَّمَا أَعظُكُمْ بوَاحدَةٍ أنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّروا) سبأ: 46،
وقال تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبهمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْق السَّمَواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطلاً سُبْحَانَكَ) الآيات آل عمران: 190، 191،
وقال تعالى: (أَفَلا يَنْظُرونَ إلَى الإبلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإلَى الْجبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إنمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) الغاشية: 17، 21،
وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسيروا في الأرْضِ فَيَنْظُروا) الآية القتال: 10.
والآيات في الباب كثيرةٌ.
ومن الأحاديث الحديث السابق: الكيس من دان نفسه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب في المبادرة إلى الخيرات

باب في المبادرة إلى الخيرات وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد
قال الله تعالى: (فَاسْتَبقُوا الْخَيْرَات) البقرة: 148،
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إلَى مَغْفرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضهَا السَّمَوَاتُ وَالأرضُ أُعِدَّتْ للْمُتَّقينَ) آل عمران: 133.
وأما الأحاديث:
فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) رواه مسلم.
الثاني: عن أبي سروعة - بكسر السين المهملة وفتحها - عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: (ذكرت شيئاً من تبرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته) رواه البخاري.
وفي رواية له: كنت خلفت في البيت تبراً من الصدقة؛ فكرهت أن أبيته. التبر: قطع ذهبٍ أو فضةٍ.
الثالث: عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ: أرأيت إن قتلت فأين أنا ، قال: (في الجنة فألقى تمراتٍ كن في يده، ثم قاتل حتى قتل). متفقٌ عليه.
الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ، أي الصدقة أعظم أجراً ، قال: (أن تصدق وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم. قلت: لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان) متفقٌ عليه.
الحلقوم: مجرى النفس. والمريء: مجرى الطعام والشراب.
الخامس: عن أنسٍ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفاً يوم أحدٍ فقال: (من يأخذ مني هذا) ، فبسطوا أيديهم، كل إنسانٍ منهم يقول: أنا أنا. قال: (فمن يأخذه بحقه) ، فأحجم القوم، فقال أبو دجانة رضي الله عنه: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. رواه مسلم.
اسم أبي دجانة: سماك بن خرشة. قوله: أحجم القوم: أي توقفوا. وفلق به: أي شق، هام المشركين: أي رؤوسهم.
السادس: عن الزبير بن عديٍ قال: أتينا أنس بن مالكٍ رضي الله عنه فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج. فقال: اصبروا فإنه لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شرٌ منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري.
السابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
الثامن: عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه) ، قال عمر رضي الله عنه: ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فأعطاه إياها، وقال: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك) فسار عليٌ شيئاً، ثم وقف ولم يلتفت؛ فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس ، قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على ال)له رواه مسلم.
فتساورت هو بالسين المهملة: أي وثبت متطلعاً.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب في المجاهدة

قال الله تعالى: (وَالَّذينَ جَاهَدُوا فينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت: 69،
وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر: 99،
وقال تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلاً) المزمل: 8 أي: انقطع إليه.
وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه) الزلزلة: 7،
وقال تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكْم مِنْ خَيْرٍ تَجِدوه عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) المزمل: 20،
وقال تعالى: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ) البقرة: 273
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومة.
وأما الأحاديث: فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضت عليه: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته؛ ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري.
آذنته: أعلمته بأني محاربٌ له استعاذني روي بالنون وبالباء.
الثاني: عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: (إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة(ً رواه البخاري.
الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصحة، والفراغ) رواه البخاري.
الرابع: عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً) متفقٌ عليه. هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.
الخامس: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر متفقٌ عليه.
والمراد: العشر الأواخر من شهر رمضان. والمئزر: الإزار، وهو كنايةٌ عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت، وتفرغت له.
السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خيرٌ. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيءٌ فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان). رواه مسلم.
السابع: عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره) متفقٌ عليه. وفي رواية لمسلم: (حفت بدل حجبت) وهو بمعناه؛ أي: بينه وبينها هذا الحجاب؛ فإذا فعله دخلها.
الثامن: عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان، رضي الله عنهما، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى؛ فقلت يصلي بها في ركعةٍ، فمضى؛ فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء؛ فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبح، وإذا مر بسؤالٍ سأل، وإذا مر بتعوذٍ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ربي العظيم) فكان ركوعه نحواً من قيامه ثم قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد) ثم قام قياماً طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى) فكان سجوده قريباً من قيامه رواه مسلم.
التاسع: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً، فأطال القيام حتى هممت بأمرٍ سوءٍ قيل: وما هممت به ، قال: هممت أن أجلس وأدعه. متفقٌ عليه.
العاشر: عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتبع الميت ثلاثةٌ: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان ويبقى واحدٌ: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله) متفقٌ عليه.
الحادي عشر: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك) رواه البخاري.
الثاني عشر: عن أبي فراسٍ ربيعة بن كعبٍ الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أهل الصفة رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه، وحاجته فقال: (سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: أو غير ذلك ، قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.
الثالث عشر: عن أبي عبد الله - ويقال: أبو عبد الرحمن - ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجةً، وحط عنك بها خطيئة(ً. رواه مسلم.
الرابع عشر: عن أبي صفوان عبد الله بن بسرٍ الأسلمي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ. بسر: بضم الباء وبالسين المهملة.
الخامس عشر: عن أنس رضي الله عنه، قال: غاب عمي أنس بن النضر رضي الله عنه، عن قتال بدرٍ، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتالٍ قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحدٍ انكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذٍ، فقال: يا سعد بن معاذٍ الجنة ورب الكعبة، إني أجد ريحها من دون أحدٍ. قال سعدٌ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع ، قال أنسٌ: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربةً بالسيف، أو طعنةً برمحٍ، أو رميةً بسهمٍ، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحدٌ إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) الأحزاب: 23 إلى آخرها، متفقٌ عليه. قوله: ليرين الله روي بضم الياء وكسر الراء؛ أي: ليظهرن الله ذلك للناس، وروي بفتحهما، ومعناه ظاهر، والله أعلم.
السادس عشر: عن أبي مسعود عقبة بن عمروٍ الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا. فجاء رجلٌ فتصدق بشيءٍ كثيرٍ فقالوا: مراءٍ، وجاء رجلٌ آخر فتصدق بصاعٍ فقالوا: إن الله لغنيٌ عن صاع هذا ، فنزلت (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقّاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ) التوبة: 79. متفقٌ عليه هذا لفظ البخاري. ونحامل بضم النون، وبالحاء المهملة: أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ويتصدق بها.
السابع عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته؛ فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). قال سعيدٌ: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رواه مسلم. وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.

[ كتاب رياض الصالحين : للنووي ]