بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ابواب الإخلاص والتوبة
والصدق والمراقبة والتقوى

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مقدمة الكتاب
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرةً لأولي القلوب والأبصار، وتبصرةً لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال والأطوار.
أحمده أبلغ حمدٍ وأزكاه، وأشمله وأنماه . وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الهادي إلى صراط مستقيم، والداعي إلى دين قويم. صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر النبيين، وآل كلٍ، وسائر الصالحين.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ منْهُمْ مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونَ ) الذاريات: 56، 57 وهذا تصريحٌ بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفاد لا محل إخلادٍ، ومركب عبورٍ لا منزل حبورٍ، ومشرع انفصامٍ لا موطن دوامٍ. فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد. قال الله تعالى: ( إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَأخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ ممَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أهْلُهَا أنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيها أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَو نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يونس: 24،والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ. ولقد أحسن القائل:
إنّ لـلـه عـباداً فـطـنا * طلّقوا الدّنيا وخافـوا الفتنا
نظروا فيها فلمّا عـلموا * أنّهـا ليست لحـيٍّ وطـنا
جعلوها لجّةً واتّخـذوا * صالح الأعمال فيها سفنا
فإذا كان حالها ما وصفته، وحالنا وما خلقنا له ما قدمته؛ فحق على المكلف أن يذهب بنفسه مذهب الأخيار، ويسلك مسلك أولي النهى والأبصار، ويتأهب لما أشرت إليه، ويهتم بما نبهت عليه. وأصوب طريق له في ذلك، وأرشد ما يسلكه من المسالك: التأدب بما صح عن نبينا سيد الأولين والآخرين، وأكرم السابقين واللاحقين. صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين. وقد قال الله تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى ) المائدة: 2 وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) وأنه قال: ( من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله ) وأنه قال: ( من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا (ً وأنه قال لعلي رضي الله عنه: ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ).
فرأيت أن أجمع مختصراً من الأحاديث الصحيحة، مشتملاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين: من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين.
وألتزم فيه أن لا أذكر إلا حديثاً صحيحاً من الواضحات، مضافاً إلى الكتب الصحيحة المشهورات، وأصدر الأبواب من القرآن العزيز بآياتٍ كريماتٍ، وأوشح ما يحتاج إلى ضبط أو شرح معنىً خفيٍ بنفائس من التنبيهات. وإذا قلت في آخر حديثٍ: متفقٌ عليه، فمعنا: رواه البخاري ومسلم.
وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون سائقاً للمعتني به إلى الخيرات، حاجزاً له عن أنواع القبائح والمهلكات. وأنا سائل أخاً انتفع بشيءٍ منه أن يدعو لي، ولوالدي، ومشايخي، وسائر أحبابنا؛ والمسلمين أجمعين، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب : الإخلاص وإحضار النية

في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية
قال الله تعالى: ( وَمَا أُمِروا إلاَّ لِيَعْبُدُوْا الله مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيْمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة ) البينة: 5.
وقال تعالى: ( لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى منكُمْ ) الحج: 37،
وقال تعالى: ( قُلْ إن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله ) آل عمران: 29.
وعن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالبٍ القرشي العدوي، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريءٍ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) متفقٌ على صحته. رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلمٍ القشيري النيسابوري رضي الله عنهما في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يغزو جيشٌ الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم ). قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ، قال: ( يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم ). متفقٌ عليه. هذا لفظ البخاري.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استنفرتم فانفروا ) متفقٌ عليه . ومعناه: لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلامٍ.
وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاةٍ فقال: ( إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض، وفي رواية: إلا شركوكم في الأجر ) رواه مسلمٌ.
ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا، حبسهم العذر ).
وعن أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس، رضي الله عنهم، وهو وأبوه وجده صحابيون، قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجلٍ في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن ) رواه البخاري.
وعن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاصٍ مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيٍ القرشي الزهري رضي الله عنه، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، رضي الله عنهم، قال: ( جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجعٍ اشتد بي فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأتصدق بثلثي مالي ، قال: لا ، قلت: فالشطر يا رسول الله ، فقال: لا ، قلت: فالثلث يا رسول الله ، قال: الثلث والثلث كثيرٌ - أو كبيرٌ - إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك قال: فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي ، قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجةً ورفعةً، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوامٌ ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة ). متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) رواه مسلم.
وعن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) متفقٌ عليه.
وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) ، قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول ، قال: ( إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ) متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وصلاة الرجل في جماعةٍ تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعاً وعشرين درجةً وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوةً إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه ) متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ . وقوله صلى الله عليه وسلم: ينهزه هو بفتح الياء والهاء وبالزاي: أي يخرجه وينهضه.
وعن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه، تبارك وتعالى قال: ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك: فمن هم بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنةً كاملةً، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسناتٍ إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ، وإن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملةً، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئةً واحدةً ) متفقٌ عليه.
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدت عليهم الغار؛ فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. قال رجلٌ منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً. فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقضهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت - والقدح علي يدي - أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي - فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه. قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عمٍ كانت أحب الناس إلي، وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينارٍ على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجلٍ واحدٍ ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزيء بي فقلت: لا أستهزيء بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ) متفقٌ عليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب : التوبة

قال العلماء: التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدميٍ؛ فلها ثلاثة شروطٍ: أحدها : أن يقلع عن المعصية . والثاني : أن يندم على فعلها.
والثالث : أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.
وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍ فشروطها أربعةٌ: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها؛ فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذفٍ ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على وجوب التوبة:
قال الله تعالى: ( وتُوبُوا إلَى الله جَميعاً أَيُّه المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور: 31،
وقال تعالى: ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ) هود: 3،
وقال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذين آمَنُوا تُوبُوا إلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً ) التحريم: 8.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة )ً رواه البخاري.
وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرةٍ ) رواه مسلم.
وعن أبي حمزة أنس بن مالكٍ الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرضٍ فلاةٍ ) متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلمٍ: ( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ).
وعن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ) رواه مسلم.
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعن زر بن حبيشٍ قال: أتيت صفوان بن عسالٍ رضي الله عنه أسأله عن المسح على الخفين فقال: ما جاء بك يا زر، فقلت: ابتغاء العلم، فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب، فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً ، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً - أو مسافرين - أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابةٍ، لكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ. فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً ، قال: نعم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابيٌ بصوتٍ له جهوريٍ: يا محمد، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من صوته: هاؤم، فقلت له: ويحك اغضض من صوتك فإنك عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نهيت عن هذا ، فقال: والله لا أغضض. قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المرء مع من أحب يوم القيامة ) فما زال يحدثنا حتى ذكر باباً من المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً. قال سفيان أحد الرواة. قبل الشام خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي سعيدٍ سعد بن مالك بن سنانٍ الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهبٍ، فأتاه فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفساً، فهل له من توبةٍ ، فقال: لا، فقتله فكمل به مائةً، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجلٍ عالمٍ فقال: إنه قتل مائة نفسٍ فهل له من توبةٍ ، فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة ، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوءٍ، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملكٌ في صورة آدميٍ فجعلوه بينهم - أي حكماً - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة ) متفقٌ عليه . وفي روايةٍ في الصحيح: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبرٍ، فجعل من أهلها ، وفي رواية في الصحيح: فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما ، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبرٍ فغفر له، وفي روايةٍ: فنأى بصدره نحوها.
وعن عبد الله بن كعب بن مالكٍ، وكان قائد كعبٍ رضي الله عنه من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالكٍ رضي الله عنه يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعبٌ: لم أتخلف عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدرٍ، ولم يعاتب أحدٌ تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعادٍ. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكر في الناس منها.
وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوةً إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرٍ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله كثيرٌ ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ يريد بذلك الديوان، قال كعبٌ: فقل رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوةً، إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: ( ما فعل كعب بن مالكٍ ) فقال رجلٌ من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كن أبا خيثمة ) ، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، قال كعبٌ: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً وأستعين على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج منه بشيءٍ أبداً، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت. فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال: ( تعال ) ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ( ما خلفك ، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) قال: قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذرٍ؛ لقد أعطيت جدلاً، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدقٍ تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله عز وجل، والله ما كان لي من عذرٍ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ) ، وسار رجالٌ من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحدٍ ، قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما ، قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي ، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوةٌ. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال : فاجتنبنا الناس - أو قال: تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحدٌ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ، ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيٌ من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالكٍ ، فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحق بنا نواسك فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرتها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل ، قال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدمه ، قال: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: إنه والله ما به من حركةٍ إلى شيءٍ، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد اذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه ، فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجلٌ شابٌ ، فلبثت بذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نهي عن كلامنا . ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلةٍ على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله تعالى منا ، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخٍ أوفى على سلعٍ يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالكٍ أبشر ، فخررت ساجداً ، وعرفت أنه قد جاء فرجٌ. فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا ، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجلٌ إلي فرساً وسعى ساعٍ من أسلم قبلي وأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ ٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجلٌ من المهاجرين غيره، فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة. قال كعبٌ: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: ( أبشر بخير يومٍ مر عليك مذ ولدتك أمك ) ، فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ، قال: ( لا بل من عند الله عز وجل ) ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمرٍ، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك ) ، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي، قال: فأنزل الله تعالى: ( لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ الْعُسْرَةِ ) حتى بلغ: ( إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيْمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهَمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَتْ ) حتى بلغ: ( اتَّقُوا الله وكُونُوا معَ الصَّادِقِينَ ) التوبة: 117، 119، قال كعبٌ: والله ما أنعم الله علي من نعمةٍ قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ؛ إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحدٍ، فقال الله تعالى: ( سَيَحْلِفُونَ باللهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَكْسِبُون. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عنْهُمْ فإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فإنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقينَ ) التوبة: 95، 96. قال كعبٌ: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه بذلك ؛ قال الله تعالى: ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذينَ خُلِّفُوا ) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. متفقٌ عليه. وفي روايةٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس، وفي رواية: وكان لا يقدم من سفرٍ إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه.
وعن أبي نجيدٍ - بضم النون وفتح الجيم - عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنهما أن امرأةً من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: ( أحسن إليها، فإذا وضعت فأئتني ) ، ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، فشدت عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت ، قال: ( لقد تابت توبةً لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل ) رواه مسلم.
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن لابن آدم وادياً من ذهبٍ أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ) متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد ) متفقٌ عليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب : الصدق

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة: 119،
وقال تعالى: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ) الأحزاب: 35،
وقال تعالى: (فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) محمد: 21.
وأما الأحاديث:
فالأول عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا(ً متفقٌ عليه.
الثاني: عن أبي محمدٍ الحسن بن علي بن أبي طالبٍ، رضي الله عنهما، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يبريبك؛ فإن الصدق طمأنينةٌ، والكذب ريبةٌ) رواه الترمذي وقال: حديثٌ صحيحٌ.
قوله: يريبك هو بفتح الياء وضمها؛ ومعناه: اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.
الثالث: عن أبي سفيان صخر بن حربٍ، رضي الله عنه، في حديثه الطويل في قصة هرقل، قال هرقل: فماذا يأمركم - بعني النبي صلى الله عليه وسلم - قال أبو سفيان: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة متفقٌ عليه.
الرابع: عن أبي ثابتٍ، وقيل: أبي سعيدٍ، وقيل: أبي الوليد، سهل بن حنيفٍ، وهو بدريٌ، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (من سأل الله، تعالى، الشهادة بصدقٍ بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) رواه مسلم.
الخامس: عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غزا نبيٌ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فقال لقومه: لا يتبعني رجلٌ ملك بضع امرأةٍ. وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحدٌ بنى بيوتاً لم يرفع سقوفها، ولا أحدٌ اشترى غنماً أو خلفاتٍ وهو ينتظر أولادها. فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولاً، فليبايعني من كل قبيلةٍ رجلٌ، فلزقت يد رجلٍ بيده فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثةٍ بيده فقال: فيكم الغلول. فجاؤوا برأسٍ مثل رأس بقرةٍ من الذهب، فوضعها فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم لأحدٍ قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا) متفقٌ عليه.
الخلفات بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام: جمع خلفةٍ، وهي الناقة الحامل.
السادس: عن أبي خالدٍ حكيم بن حزامٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) متفقٌ عليه.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب : المراقبة

قال الله تعالى: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ) الشعراء: 219، 220،
وقال تعالى: (وَهُوَ مَعَكم أَيْنَما كُنْتُم) الحديد: 4،
وقال تعالى: (إنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأَرْضِ وَلا في السَّمَاءِ) آل عمران: 6،
وقال تعالى: (إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد) الفجر: 14،
وقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) غافر: 19
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ.
وأما الأحاديث؛
فالأول: عن عمر بن الخطاب: رضي الله عنه، قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: ( يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ). ثم انطلق، فلبثت ملياً، ثم قال: ( يا عمر أتدري من السائل )، قلت. الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) رواه مسلم.
ومعنى: تلد الأمة ربتها أي: سيدتها؛ ومعناه أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السرية بنتاً لسيدها، وبنت السيد في معنى السيد، وقيل غير ذلك. والعالة: الفقراء. وقوله ملياً أي: زمناً طويلاً، وكان ذلك ثلاثاً.
الثاني: عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل، رضي الله عنهما، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسنٍ) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
الثالث: عن ابن عباسٍ، رضي الله عنهما، قال: كنت خلف النبي، صلى الله عليه وسلم، يوماً فقال: (يا غلام إني أعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ؛ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام، وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا(.
الرابع: عن أنسٍ رضي الله عنه قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات رواه البخاري. وقال: الموبقات: المهلكات.
الخامس: عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله تعالى يغار، وغيره الله، تعالى، أن يأتي المرء ما حرم الله) عليه متفقٌ عليه.
والغيرة بفتح الغين: وأصلها الأنفة.
السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن ثلاثةً من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص فقال: أي شيءٍ أحب إليك ، قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس؛ فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لوناً حسناً. قال: فأي المال أحب إليك ، قال: الإبل - أو قال البقر - شك الراوي - فأعطي ناقةً عشراء، فقال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأقرع فقال: أي شيءٍ أحب إليك ، قال: شعرٌ حسنٌ، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس: فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسناً. قال: فأي المال أحب إليك ، قال: البقر، فأعطي بقرةً حاملاً، وقال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأعمى فقال: أي شيءٍ أحب إليك ، قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك ، قال: الغنم، فأعطي شاةً والداً. فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم.
ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكينٌ قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيراً أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرةٌ. فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً، فأعطاك الله فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكينٌ وابن سبيلٍ انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاةً أتبلغ بها في سفري ، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيءٍ أخذته لله عز وجل. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك متفقٌ عليه.
والناقة العشراء بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. قوله: أنتج، وفي روايةٍ: فنتج معناه: تولى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: ولد هذا هو بتشديد اللام: أي: تولى ولادتها، وهو بمعنى نتج في الناقة. فالمولد، والناتج، والقابلة بمعنىً؛ لكن هذا للحيوان وذاك لغيره. وقوله: انقطعت بي الحبال هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: أي الأسباب. وقوله: لا أجهدك معناه: لا أشق عليك في رد شيءٍ تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري: لا أحمدك بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شيءٍ تحتاج إليه، كما قالوا: ليس على طول الحياة ندمٌ، أي على فوات طولها.
السابع: عن أبي يعلى شداد بن أوسٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله). رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ . قال الترمذي وغيره من العلماء: معنى دان نفسه: حاسبها.
الثامن: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) حديثٌ حسنٌ رواه الترمذي وغيره.
التاسع: عن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته) رواه أبو داود وغيره.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
باب في التقوى

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقوا الله حقَّ تقاته) آل عمران 102،
وقال تعالى: (فاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: 16
وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى.
وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) الأحزاب: 70
والآيات في الأمر بالتقوى كثيرةٌ معلومةٌ،
وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) الطلاق: 2، 3،
وقال تعالى: (إنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُم وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الأنفال: 29
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ.
وأما الأحاديث
فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس، قال: (أتقاهم). فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فيوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله)، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألوني ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) متفقٌ عليه.
وفقهوا بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها، أي: علموا أحكام الشرع.
الثاني: عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوةٌ خضرةٌ، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم.
الثالث: عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم.
الرابع: عن أبي طريفٍ عدي بن حاتمٍ الطائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حلف على يمينٍ ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى) رواه مسلم.
الخامس: عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: (اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم) رواه الترمذي، في آخر كتاب الصلاة وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.

[ كتاب رياض الصالحين : للنووي ]