بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
الجزء الثانى من مغازيه صلى الله عليه وسلم


فصل في غزوة الخندق
وهي سنة خمس في شوال وسببها أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين يوم أحد وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين أنه خرج لذلك ثم رجع فخرج أشرافهم الى قريش يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابتهم قريش ثم خرجوا الى غطفان فدعوهم واستجابوا لهم ثم طافوا في قبائل العرب ثم ذكر القصة الى أن ذكر قصة العرنيين وقال فيها من الفقه جواز شرب أبوال الإبل وطهارة بول مأكول اللحم والجمع للمحارب بين قطع يده ورجله وقتله إذا أخذ المال وأنه يفعل بالجاني كما فعل فإنهم لما سملوا عين الراعي سملوا أعينهم فظهر أن القصة محكمة وإن كانت قبل أن تنزل الحدود فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها.
فصل في قصة الحديبية
وذكر القصة الى أن قال والصلح على وضع الحرب عشر سنين وأن يرجع عنهم عامه ذلك فإذا كان العام المقبل قدمها وخلوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثا وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب ومن أتاهم لم يردوه ومن أتى من المسلمين منهم ردوه وفي قصة الحديبية أنزل الله فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عجرة.
وفيها دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة.
وفيها نحر البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة وفيها أهدى جمل أبي جهل ليغيظ به المشركين.
وفيها أنزلت سورة الفتح فلما رجع الى المدينة جاءه نساء مؤمنات فنهاه الله عن إرجاعهن فقيل هذا نسخ للشرط في النساء وقيل تخصيص للسنة بالقرآن وهو عزيز جدا وقيل لم يقع الشرط إلا على الرجال خاصة فأراد المشركون أن يعمموا في الصنفين فأبى الله تعالى ذلك.
وفيها من الفقه اعتماره صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج وأن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل كما أن الاحرام بالحج كذلك وأما حديث من أحرم بعمرة من بيت المقدس غفر له فلا يثبت ومنها أن سوق الهدي سنة في العمرة المفردة وأن إشعار الهدي سنة لا مثله ومنها استحباب مغياظة أعداء الله.
ومنها أن الأمير ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو.
ومنها أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة للحاجة لأن عيينة الخزاعي كافر.
ومنها استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجا لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم وامتثالا لأمر الله ومنها جواز سبي ذراري المشركين المنفردين عن الرجال قبل القتال.
ومنها رد الكلام الباطل ولو نسب الى غير مكلف فإنهم لما قالوا خلأت القصواء رد عليهم وقال ماخلأت وما ذاك لها بخلق.
ومنها استحباب الحلف على الخبر الديني الذي يريد تأكيده وقد حفظ عنه صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعا وأمره الله تعالى بالحلف على صدق ما أخبر به في ثلاثة مواضع في يونس وسبأ و التغابن.
ومنها أن المشركين وأهل الفجور إذا طلبوا أمرا يعظمون به حرمة من حرمات الله أجيبوا اليه وإن منعوا غيره فيعانون على تعظيم ما فيه حرمات الله تعالى لا على كفرهم وبغيهم ويمنعون مما سوى ذلك فمن التمس المعاونة على محبوب لله تعالى أجيب الى ذلك كائنا من كان ما لم يترتب على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس ولذلك ضاق عنه من أصحابه من ضاق وقال عمر ماقال وأجاب الصديق فيها بجواب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أنه أفضل الصحابة وأكملهم وأعرفهم بالله ورسوله ودينه وأشدهم موافقة له ولذلك لم يسأل عمر إلا النبي والصديق خاصة دون سائر أصحابه.
ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل ذات اليمين الى الحديبية قال الشافعي بعضها من الحل وبعضها من الحرم وروى احمد في هذه القصة أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل وفيه كالدلالة على أن المضاعفة متعلقة بجميع الحرم لاتختص بالمسجد وأن قوله صلاة في مسجد الحرام كقوله تعالى (فلا يقربوا المسجد الحرام) وقوله (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام).
ومنها أن من نزل قريبا من مكة ينبغي له أن ينزل في الحل ويصلي في الحرم وكذلك كان ابن عمر يصنع ومنها جواز ابتداء الامام بطلب الصلح إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه وفي قيام المغيرة على رأسه صلى الله عليه وسلم بالسيف ولم تكن عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد سنة يقتدي بها عند قدوم رسل الكفار من إظهار العز والفخر وتعظيم الامام وليس هذا من النوع المذموم كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليس من هذا النوع المذموم في غيره وفي بعث البدن في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفار وفي قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة أما الاسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم وأنه لايملك بل يرد عليه فإن المغيرة صحبهم على أمان ثم غدر بهم وأخذ أموالهم فلم يتعرض صلى الله عليه وسلم لأموالهم ولا ذب عنها ولا ضمنها لهم لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة وفي قول الصديق لعروة بن مسعود امصص بظر الللات دليل على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة كما أمر أن يصرح لمن دعى بدعوى الجاهلية بهن أبيه ويقال له اعضض أير أبيك ولايكنى له فلكل مقام مقال ومنها احتمال قلة أدب رسول الكفار للمصلحة لأنه لم يقابل عروة على أخذه بلحيته.
ومنها طهارة النخامة والماء المستعمل واستحباب التفاؤل لقوله سهل أمركم لماجاء سهيل وأن مصالحة المشرك بما فيه ضيم جائز للمصلحة ومنها أن من حلف أو نذر أو وعد ولم يعين وقتا لم يكن على الفور بل على التراخي.
ومنها أن الحلق نسك وأنه افضل من التقصير وأنه نسك في العمرة كالحج وأنه نسك في عمرة المحصر كما هو نسك في عمرة غيره.
ومنها أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل والحرم وأنه لايجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل اليه وأنه لايتحلل حتى يصل الى محله لقوله (والهدي معكوفا أن يبلغ محله).
ومنها أن الموضع الذي نحروا فيه من الحل للآية لأن الحرم كله محل نحر الهدي ومنها أن المحصر لايجب عليه القضاء وسميت التي بعدها عمرة القضية لأنها التي قاضاهم عليها.
ومنها أن الأمر المطلق على الفور وإلا لم يغضب لتأخرهم عن الأمر وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور لا المشكور وقد غفر الله لهم وأوجب لهم الجنة ومنها جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم من المسلمين من الرجال لا النساء فإنه لايجوز وهو موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن ولا سبيل الى دعوى النسخ في غيره.
ومنها أن خروج البضع عن ملك الزوج متقوم وأنه بالمسمى لا بمهر المثل ومنها أن شرط رد من جاء من الكفار الى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلما إلى غير بلاد الإمام وإذا جاء الى بلد الإمام لايجب رده بدون الطلب.
ومنها أنه إذا قتل الذين تسلموه لم يضمنه بدية ولا قود ولم يضمنه الإمام.
ومنها انه إذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبين أهل الذمة عهد جاز لملك آخر أن يغزوهم كما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلا بقصة أبي بصير مع المشركين والذي في هذه القصة من الحكم أكبر وأجل من أن يحيط به إلا الله.
ومنها أنها مقدمة بين يدي الفتح الأعظم وهذه سنته سبحانه في الأمور العظام شرعا وقدرا أن يوطئ لها بين يديها بمقدمات وتوطئات تؤذن بها وتدل عليها ومنا أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح فإن الناس أمن بعضهم بعضا واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الاسلام جهرة آمنين وظهر من كان مختفيا بالاسلام ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل فكانت تلك الشروط من أكبر الجند التي أقامها المشترطون لحزبهم فذلوا من حيث طلبوا العز وعز المسلمون من حيث انكسروا لله فانقلب العز بالباطل ذلا بحق ومنها ما سببه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان على ما أكرهوا وما حصل لهم في ذلك من الرضا بالقضاء وانتظار وعد الله وشهود منته بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال.
ومنها أنه سبحانه جعله سببا للمغفرة لرسوله ولإتمام نعمته عليه وهدايته ونصره وانشراح صدره به مع مافيه من الضيم ولهذا ذكره سبحانه جزاء وغاية وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول والمؤمنين وتأمل وصفه قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب فازدادوا بالسكينة إيمانا ثم أكد بيعتهم لرسوله أنها بيعة له وأن من نكثها فعلى نفسه وكل مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله على الإسلام وحقوقه ثم ذكر ظن الأعراب وأ ه من جهلهم به سبحانه ثم أخبر برضاه عن المؤمنين بالبيعة وأنه علم مافي قلوبهم من صدق الطاعة فأنزل الله السكينة عليهم وأثابهم الفتح والمغنم الكثيرة وكان أول الفتح والمغنم فتح خيبر ومغانمها ثم استمرت الفتوح والمغنم الى الأبد وكف الأيدي عنهم قيل أهل مكة وقيل اليهود حين هموا أن يغتالوا من بالمدينة بعد خروج الصحابة وقيل أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان والصحيح تناولها للجميع وقوله (ولتكون) آية للمؤمنين قيل كف الأيدي وقيل فتح خيبر ثم جمع لهم مع ذلك كله الهداية ثم وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا أخر لم يقدروا ذلك الوقت عليها قيل مكة وقيل فارس والروم وقيل مابعد خيبر من المشرق والمغرب ثم أخبر أنه لم قاتلهم الذي كفروا لولوا الأدبار وأنها سنته فإن قيل فيوم أحد قيل هو عد معلق بشرط وهو الصبر والتقوى ففات يوم أحد بالفشل المنافي للصبر والمعصية المنافية للتقوى ثم ذكر كف الأيدي لأجل الرجال والنساء المذكورين فدفع العذاب عنهم بهؤلاء كما دفعه برسوله لما كان بين أظهرهم ثم أخبر عما جعله الكفار في قلوبهم من الحمية التي مصدرها الجهل والظلم وأخبر بإنزاله في قلوب أوليائه من السكينة ما يقابل الحمية وإلزامهم كلمة التقوى وهي جنس تعم كل كلمة يتقي بها وجه الله وأعلاه كلمة الإخلاص ثم أخبر أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فقد تكفل لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض ففي هذا تقوية لقلوبهم وبشارة لهم وتثبيت وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لابد أن ينجزه فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصرة لعدوه ولا تخليا عن رسوله ودينه كيف وقد أرسله بدينه الحق ووعده أن يظهره على كل دين سواه.
فصل في غزوة خيبر
قال موسى بن عقبة لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية مكث بهاعشرين ليلة أو قريبا منها ثم خرج الى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وقدم أبوهريرة حينئذ المدينة فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح فسمعه يقرأ في الأولى كهيعص وفي الثانية ويل للمطففين فقال في صلاته ويل لأبي فلان له مكيلان إذا كال كال بالناقص وإذا اكتال اكتال بالوافي ثم زودوا سباعا فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم المسلمين فأشركوه واصحابه في سهمانهم ولما قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح ثم ركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولايشعرون بل خرجوا لأرضهم فلما رأوا الجيش قالوا محمد والله محمد والخميس ثم رجعوا هاربين الى مدينتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ثم ذكر حديث إعطائه عليا الراية ومبارزته مرحبا وذكر قصة عامر بن الأكوع ثم حصرهم فجهد المسلمون فذبحوا الحمر فنهاهم ثم صالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم وله الصفراء والبيضاء واشترط أنمن كتم أو غيب فلا ذمة له ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه الى خيبر ثم ذكر الحديث فلما أراد إجلاءهم قالوا دعنا فيها فأعطاهم إياها على شطر ما يخرج منها مابدا له أن يقرهم ولم يقتل بعد الصلح إلا ابن أبي الحقيق الناكس وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صية وكانت تحت ابن أبي الحقيق وعرض عليها الإسلام فأسلمت فأعتقها وجعل عتقها صداقها وقسم خيبر على ستة وثلاثين سهما كل سهم مائة سهم كان له وللمسلمين النصف والنصف الآخر لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين قال البيهقي وهذه خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحا فقسم مافتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين وعزل مافتح صلحا لنوائبه وما يحتاج إليه من أمور المسلمين وهذا بناء منه على أصل مذهب الشافعي أنه يجب قسم الأرض المفتتحة عنوة ومن تأمل تبين أنهاكلها عنوة وهذا هو الصواب الذي لاشك فيه والامام مخير في الأرض بين قسمها ووقفها وقسم بعضها ووقف بعض وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة فقسم قريظة والنضير ولم يقسم مكة وقسم شطر خيبر وترك شطرها ولم يغب من أهل الحديبية إلا جابر فقسم له وقدم عليه جعفر وأصحابه ومعهم الأشعريون وسمته امرأة من اليهود في ذراع شاة أهدته له فلم يعاقبها وقيل قتلها بعدما مات بشر بن البراء وكان بين قريش تراهن منهم من يقول يظهر محمد وأصحابه ومنهم من يقول يظهر الحليفان ويهود خيبر وكان الحجاج بن علاط السلمي قد أسلم وشهدها ثم ذكر قصته وفيها من الفقه القتال في الأشهر الحرم لأنه خرج اليها في المحرم ومنها قسم المغانم للفارس ثلاثة وللراجل سهم ومنها أنه يجوز لآحاد الجيش إذا وجد طعاما أن يأكله ولا يخمسه لأخذ ابن المغفل جراب الشحم الذي ولي يوم خيبر ومنها أن المدد إذا لحق بعد الحرب لايسهم له إلا بإذن الجيش لأنه كلم أصحابه في أهل السفينة ومنها تحريم لحوم الحمر الانسية وعلل بأنها رجس وهذا مقدم على من علل بغير ذلك كقول من قال إنها لم تخمس أو أنها تأكل العذرة ومنها جواز عقد المهادنة عقدا جائزا للإمام فسخه متى شاء ومنها جواز تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط وتقرير أرباب التهم بالعقوبة ومنها الأخذ بالقرائن لقوله المال كثير والعهد قريب وان من كان القول قوله إذا قامت قرينة على كذبه لم يلتفت الى قوله ومنها أن أهل الذمة إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم لم تبق لهم ذمة وأن من أخذ من الغنيمة قبل القسمة لم يملكه وإن كان دون حقه لقوله شراك من نار ومنها جواز التفاؤل بل استحبابه كما تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم برؤية المساحي والفؤوس والمكاتل مع أهل خيبر فإن ذلك فأل في خرابها وأن النقض يسري في حق النساء والذرية إذا كان الناقضون طائفة لهم شوكة أما إذا كان الناقض واحدا من طائفة لم يوافقه بقيتهم فهذا لايسري النقض الى زوجته وأولاده كما أن من أهدر دماءهم ممن كان يسبه لم يسر الى نسائهم وذريتهم فهذا هديه في هذا وهذا ومنها جواز عتق الرجل أمته وجعل عتقها صداقها ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهود ولا ولي ولا لفظ تزويج وكذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان متوصلا به الى حقه كما فعل الحجاج ومنها قبول هدية الكافر ثم انصرف الى وادي القرى وكان بها جماعة من يهود فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي فقتل مدعم عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هنيئا له الجنة فقال كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ثم عبأ اصحابه ودعا أهل الوادي الى الإسلام فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير فقتله ثم برز آخر فبز اليه علي فقتله حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كلما قتل منهم رجل دعا من بقي الى الإسلام فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قدر رمح حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها عنوة وعامل اليهود على الأرض والنخل فلما بلغ يهود تيجاء ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر وفدك ووادي القرى صالحوه على الجزية وأقاموا بأيديهم أموالهم وما دون وادي القرى الى المدينة حجاز ومن وراء ذلك من الشام ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا الى المدينة فلما كان ببعض الطريق عرس وقال لبلال إكلأ لنا الفجروذكر الحديث وروي أنها في مرجعه من الحديبية وقيل مرجعه من تبوك ففيه أن من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها والرواتب تقضى وأن الفائتة يؤذن لها ويقام وقضاء الفائتة جماعة وأن القضاء على الفور لقوله فليصلها إذا ذكرها وتأخيرها عن المعرس لأنه مكان الشيطان فارتحل الى مكان خير منه وذلك لايفوت المبادرة فإنهم في شغل الصلاة وفي شأنها وفيه تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان كالحمام بطريق الأولى ولما رجعوا رد المهاجرون الى الأنصار منائحهم وأقام بالمدينة الى شوال يبعث السرايا منها سرية ابن حذافة الذي أمر أصحابه بدخول النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف فإن قيل فلو دخلوها دخلوها طاعة لله ورسوله في ظنهم فكانوا متأولين مخطئين فكيف يخلدون فيها قيل لما هموا بالمبادرة من غير اجتهاد منهم مع علمهم أن الله نهاهم عن قتل أنفسهم لم يعذروا وإذا كان هذا فيمن عذب نفسه طاعة لولي الأمر المأمور بطاعته فكيف بمن عذب مسلما لايجوز تعذيبه طاعة لولي الأمر وإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها ما خرجوا منها مع قصدهم طاعة الله ورسوله بذلك الدخول فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من الطاعة الرغبة والرهبة الدنيوية وكيف بمن دخلها من إخوان الشيطان وأوهموا الجهال أنه من ميراث إبراهيم الخليل عليه السلام.
فصل في غزوة الفتح العظيم
الفتح العظيم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس به في دين الله أفواجا خرج له صلى الله عليه وسلم سنة ثمان لعشر مضين من رمضان ثم ذكر القصة ثم قال وفيها في الفقه أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام صاروا حربا له بذلك فله أن يبيتهم في ديارهم ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء وإنما يكون ذلك إذا خاف منهم الخيانة فإذا تحققها فلا وفيها انتقاض عهد الجميع بذلك إذا رضوا به كما أنهم يدخلون في العهد تبعا وفيها جواز الصلح عشر سنين والصواب أنه يجوز فوق ذلك للحاجة والمصلحة وأن الإمام إذ سئل ما لايجوز بذله أو لايجب فسكت لم يكن سكوته بذلا لأن أبا سفيان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم تجديد العهد فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبه بشيء ولم يكن بهذا السكوت معاهدا له وفيه أن الرسول لايقتل لأن أبا سفيان ممن نقض وقتل الجاسوس المسلم وتجريد المرأة كلها للحاجة وأن الرجل إذا نسب المسلم بكفر أو نفاق متأولا غضبا لله لا لهواه لم يأثم وأن الكبيرة العظيمة قد تكفر بالحسنة الكبيرة كما قال تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات) وبالعكس كقوله تعالى (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) وقوله (أن تحبط اعمالكم وأنتم لا تشعرون) ثم قرر قصة حاطب وقصة ذي الخويصرة وأمثاله ثم قال ومن له لب وعقل يعلم قدر هذه المسألة وشدة الحاجة إليها ويطلع منها على باب عظيم من أبواب معرفة الله وحكمته وفيها جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام ولا خلاف أنه لا يدخل من أراد النسك إلا بإحرام وما عدا ذلك فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله وفيه البيان الصريح أن مكة فتحت عنوة وقتل سابه صلى الله عليه وسلم وقوله إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس وهذا التحريم قدري شرعي سبق به قدره يوم خلق العالم ثم ظهر به على لسان خليله ابراهيم قوله لا يسفك بها دم هذا التحريم لسفك الدم المختص بها هو الذي يباح في غيرهاويحرم فيها لكونها حرما كتحريم عضد الشجر وقوله ولايعضد بها شجر وفي لفظ لا يعضد شوكها وهو ظاهر جدا في تحريم قطع الشوك والعوسج لكن جوزوا قطع اليابس لأنه بمنزلة الميتة وفي لفظ ولا يخبط شوكها صريح في تحريم قطع الورق وقوله لايختلي خلاها لا خلاف أن المراد مانبت بنفسه وأن الخلا الحشيش الرطب والاستثناء في الاذخر دليل على العموم ولا تدخل الكمأة فيه وما غيب في الارض لأنه كالثمر وقوله ولاينفر صيدها صريح في تحريم التسبب الى قتل الصيد واصطياده بكل سبب حتى انه لاينفره عن مكانه لأنه حيوان محترم هذا المكان قد سبق الى مكان فهو أحق به ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق الى مكان لم يزعج عنه وقوله لايلتقط ساقطتها إلا لمن عرفها وفي لفظ لاتحل ساقطتها إلا لمنشد فيه دليل على أن لقطة الحرم لاتملك بحال وأنها لاتلتقط إلا للتعريف وهذا أحدى الروايتين عن احمد وقال في الرواية الأخرى والشافعي في قول لا يجوز التقاطها للتمليك وإنما يجوز لحفظها لصاحبها فإن التقطها عرفها أبدا حتى يأتي صاحبها وهذا هو الصحيح والحديث صريح فيه والمنشد المعرف والناشد الطالب ومنه قوله إصاخة الناشد للمنشد وفي القصة أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل البيت حتى محيت الصور ففيه دليل كراهة الصلاة في المكان الذي فيه الصور وهو أحق بها من الحمام لأنه إما لكونه مظنة النجاسة وإما بيت الشيطان وأما الصور فمظنة الشرك وغالب شرك الأمم من جهة الصور والقبور وفي القصة جواز أمان المرأة للرجل والرجلين كما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أمان أم هانئ وقتل المرتد الذي تغلظت ردته من غير استتابة لقصة ابن أبي سرح.
فصل في غزوة حنين
قال ابن اسحاق ولما سمعت هوازن بالفتح جمع مالك ابن عوف هوازن واجتمعت اليه ثقيف وجشم وفيهم دريد ابن الصمة شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه ثم ذكر القصة ثم قال وعد الله رسوله أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجا فاقتضت الحكمة أن أمسك الله قلوب هوازن ومن تبعها عن الاسلام وأن يجتمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ليظهر أمر الله وتمام إعزازه لرسوله لتكون غنائمهم شكرا لأهل الفتح وليظهر الله سبحانه رسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها فلا يقاومهم بعد أحد من العرب وأذاقهم أولا مرارة الهزيمة مع قوتهم ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخل رسوله صلى الله عليه وسلم منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه تكاد أن تمس قربوس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته وليبين لمن قال لن نغلب اليوم من قلة أن النصر من عنده فلما انكسرت قلوبهم أرسل إليها خلع الجبر مع بريد النصر ثم أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر إنما تفيض على أهل الانكسار (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ماكانوا يحذرون) وافتتح غزو العرب ببدر وختمه بحنين وقاتلت الملائكة فيهما ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحصباء فيهما وبهما طفئت جمرة العرب فبدر خوفتهم وكسرت من حدتهم وهذه استفرغت قواهم وفيها جواز استعارة سلاح المشرك وأن من تمام التوكل استعمال الأسباب وأن ضمان الله له العصمة لاينافي تعاطي الأسباب كما أن إخباره أنه مظهر دينه لا يناقض أمره انواع الجهاد وشرطه ضمان العارية هل هو إخبار عن شرعه في العارية أو إخبار عن ضمانها بالأداء بعينها اختلف فيه وفيها عقر مركوب العدو إذا أعان على قتله وليس هنا من تعذيب الحيوان المنهي عنه وعفوه صلى الله عليه وسلم عمن هم بقتله ومسحه صدره ودعاءه له وجواز الانتظار بالقسمة إسلام الكفار فيرد عليهم ما أخذ منهم وفي هذا دليل على أن الغنيمة إنما تملك بالقسمة لابمجرد الاستيلاء عليها فلو مات أحد قبلها أو إحرازها بدار الإسلام رد نصيبه الى بقية الغانمين وهذا مذهب أبي حنيفة ونص أحمد أن النفل يكون من أربعة الأخماس وهذا الإعطاء منه فهو أولى من تنفل الثلث بعد الخمس والربع بعده ولما عميت أبصار ذي الخويصرة وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة قال له قائلهم اعدل والإمام نائب عن المسلمين يتصرف بمصالحهم وقيام الدين فإن تعين للدفع عن الاسلام والذب عن حوزته واستجلاب أعداء الاسلام إليه ليأمن شرهم ساغ ذلك بل تعين ومبنى الشريعة باحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما بل مبنى مصالح الدنيا والدين على هذين وفيها جواز بيع الرقيق بل الحيوان بعضه ببعض نسيئة ومتفاضلا وأن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود جاز إذا اتفقا عليه وهذا هو الراجح إذ لا محذور فيه ولا غرر وقوله من قتل قتيلا له عليه بينه فله سلبه اختلف هل هو مستحق بالشرع أو الشرط على قولين هما روايتان عن أحمد ومأخذ النزاع هل قاله بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما كقوله من زرع أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته أو بمنصب الفتيا كقوله لهند بنت عقبة خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف أو بمنصب الإمامة فتكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت فيلزم من بعده مراعاة ذلك بحسب المصلحة ومن ههنا اختلفوا في كثير من موضع كقوله من أحيا أرضا ميتة فهي له وفيها الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد من غير يمين وأنه لا يشترط التلفظ بأشهد وفيها أن السلب لايخمس وأنه من أصل الغنيمة وأنه يستحقه من لايسهم له من امرأة وصبي وأنه يستحق سلب جميع من قتل وإن كثر.
فصل في غزوة الطائف
لما انهزمت ثقيف دخلوا حصنهم وتهيؤوا للقتال وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قريبا من حصنهم فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة وقتل منهم اثنا عشر رجلا فارتفع صلى الله عليه وسلم الى موضع مسجد الطائف اليوم فحاصرهم ثمانية عشر يوما أو بضعا وعشرين ليلة ونصب عليهم المنجنيق وهو أول مارمي به في الاسلام وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون قال ابن سعد فسألوه أن يدعها لله وللرحم فقال صلى الله عليه وسلم فإني أدعها لله وللرحم فنادى مناديه أيما عبد نزل إلينا فهو حر فخرج منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة فدفع كل رجل منهم الى رجل من المسلمين يمونه فشق ذلك على أهل الطائف ولم يؤذن له في فتحها فأمر صلى الله عليه وسلم فأذن بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا نرحل ولم تفتح الطائف فقال اغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراحات فقال إنا قافلون إن شاء الله فسروا بذلك وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فلما استقلوا قال قولوا آيبون تأئبون عابدون لربنا حامدون قيل يارسول الله ادع الله على ثقيف فقال اللهم اهد ثقيفا وائت بهم ثم خرج الى الجعرانة ودخل منها مكة محرما بعمرة ثم رجع الى المدينة ولما قدم المدينة من تبوك في رمضان وفد عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف وكان من حديثهم أنه لما انصرف عنهم أتبعه عروة بن مسعود فأدركه قبل أن يدخل المدينة فأسلم وسأله أن يرجع الى قومه بالإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتحدث قومك أنهم قاتلوك وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم فقال عروة يارسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم وكان فيهم كذلك محببا مظاعا فخرج يدعو قومه الى الاسلام رجاء أن لايخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له ودعاهم الى الاسلام رموه بالنبل من كل وجه فقتل فقيل له ماترى في دمك فقال شهادة أكرمني الله بها فليس في إلا مافي الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم وادفنوني معهم فدفن معهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرا ثم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب فأجمعوا على أن يرسلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كما أرسلوا عروة فكلموا عبد ياليل فأبى وخشي أن يصنع به كما صنعوا بعروة فقال لست بفاعل حتى ترسلوا معي رجالا فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك منهم عثمان بن أبي العاص فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة فاشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه أبو بكر فقال أقسم عليك لاتسبقني ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ثم خرج المغيرة اليهم فروح الظهر معهم فضرب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة في ناحية المسجد وكان خالد بن سعيد الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم اللات لايهدمها ثلاث سنين ليسلموا بتركها من سفهائهم فأبى فما برحوا يسألونه فأبى حتى سألوه شهرا فأبى أن يدعها شيئا مسمى وكان فيما سألوا أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم عنه وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه فلما أسلموا أمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنا إلا أنه كان أحرصهم على التفقه في الدين فلما توجهوا الى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان والمغيرة لهدم الطاغية فلما دخل المغيرة علاها بالمعول وقام دونه بنو مغيث خشية أن يرمى أو يصيب كعروة وخرجت نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ولما هدمها أخذ مالها وكان ابن عروة وقارب ابن الأسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوفد حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف فأسلما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم توليا من شئتما قالا لانتولى إلا الله ورسوله قال وخالكما أبا سفيان بن حرب فقالا وخالنا أبا سفيان فلما أسلم أهل الطائف سأل ابن عروة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي دين أبيه من مال الطاغية فقال نعم فقال قارب وعن الأسود يارسول الله فاقضه وعروة والأسود أخوان لأب وأم فقال رسول الله إن الأسود مات مشركا فقال قارب بن الأسود يارسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة يعني نفسه وإنما الدين علي فقضى دين عروة والأسود من مالها وفيه من الفقه جواز القتال في الأشهر الحرم فإنه صلى الله عليه وسلم خرج من مكة في آخر رمضان وأقام بمكة تسع عشر ليلة ثم خرج الى هوازن وقاتلهم وفرغ منه ثم خرج الى الطائف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة أو ثمان عشر في قول ابن سعد فإذا تأملت ذلك عرفت أن بعض مدة الحصار في ذي القعدة ولا بد لكن قد يقال لم يبتدئ القتال إلا في شوال ويجاب بأنه لا فرق بين الابتداء والاستدامة ومنها جواز غزو الرجل وأهله معه لأن معه في هذه الغزوة أم سلمة وزينب ومنها جواز نصب المنجنيق على الكفار ورميهم به وإن افضى الى قتل من لم يقاتل من النساء والذرية ومنها قطع شجرهم إذا كان يضعفهم ويغيظهم ومنها أن العبد إذا أبق وألحق بالمسلمين صار حرا حكاه ابن المنذر إجماعا ومنها أن الإمام إذا حاصر حصنا ورأى المصلحة في الرحيل فعل ومنها أنه أحرم من الجعرانة بالعمرة وهي السنة لمن دخلها من الطائف وأما الخروج من مكة الى الجعرانة ليحرم منها بعمرة فلم يستحبه أحد من أهل العلم ومنها كمال رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم في دعائه لثقيف بالهدى وقد حاربوه وقتلوا جماعة من أصحابه وقتلوا رسوله إليهم ومنها كمال محبة الصديق له ومحبة التقرب إليه بكل ممكن وهذا يدل على جواز سؤال الرجل أخاه أن يؤثره بقربة من القرب وأنه يجوز له ذلك وقول من قال لايجوز لايصح وقد آثرت عائشة عمر بدفنه في بيتها وسألها ذلك فلم تكره له السؤال ولا لها البذل ومنها أنه لايجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على إبطالها يوما واحدا فإنها شعائر الكفر وهي أعظم المنكرات وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى وأعظم شركا عندها وبها وبالله المستعان ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق أو تحيي أو تميت وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين عند طواغيتهم اليوم فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم حذو القذة بالقذة وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الأعلام واشتدت غربة الاسلام وقل العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ومنها جواز صرف الإمام أموال المشاهد في الجهاد والمصالح وأن يعطيها للمقاتلة ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين وكذا الحكم في وقفها وهذا مما لايخالف فيه أحد من أئمة الاسلام.


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم