بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
الجزء الأخير من مغازيه صلى الله عليه وسلم


فصل ولما قدم رسول الله المدينة
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ودخلت سنة تسع بعث المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب فبعث عيينة الى بني تميم وبعث عدي بن حاتم إلى طيء وبني أسد وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة وفرق صدقات بني سعد على رجلين فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية وقيس بن عاصم على ناحية وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين وبعث عليا الى نجران وفيها كانت غزوة تبوك وكانت في رجب في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد حين طابت الثمار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ماكان من غزوة تبوك لبعد السفر وشدة الزمان فقال ذات يوم للجد بن قيس هل لك في جلاد بني الأصفر فقال يارسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فما من رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساءهم ألا أصبر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد أذنت لك ففيه نزلت الآية (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لاتنفروا في الحر فأنزل الله فيهم (وقالوا لا تنفروا في الحر) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وحض أهل الغنى على النفقة فأنفق عثمان ثلاثمائة بعير بعدتها وألف دينار وجاء البكاؤن وهم سبعة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لايجدوا ماينفقون وأرسل أبا موسى أصحابه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم فوافاه غضبان فقال والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه ثم أتاه إبل فأرسل إليهم فقال ماأنا حملتكم ولكن الله حملكم وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وقام رجل فصلى من الليل وبكى ثم قال اللهم إنك أمرت بالجهاد ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض ثم أصبح فقال صلى الله عليه وسلم أين المتصدق هذه الليلة فلم يقم إليه أحد ثم قال أين المتصدق فليقم فقام إليه الرجل فأخبره فقال أبشر والذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم وكان ابن أبي قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين فيقال ليس عسكره بأقل العسكرين واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة فلما سار تخلف ابن أبي ومن كان معه واستخلف علي بن أبي طالب على أهله فقال تخلفني مع النساء والصبيان فقال أماترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي وتخلف نفر من المسلمين من غير شك منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة وأبو ذر ثم لحقه أبو خيثمة وأبو ذر ووافاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا من الناس والخيل عشرة آلاف فرس وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة وهرقل يومئذ بحمص ورجع أبو خيثمة إلى أهله بعد مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر الى المرأتين وما صنعتا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ماهذا بالنصف والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال له أبو خيثمة إن لي ذنبا فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس هذا راكب على الطريق مضل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة قالوا يارسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبره فقال له خيرا ودعا له وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر بديار ثمود قال لاتشربوا من مائها ولا تتوضؤوا منها وما كان من عجين فاعلفوه الإبل ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له ففعلوا إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره فخنق الذي خرج لحاجته على مذهبه وحملت الريح طالب البعير حتى ألقته في جبل طيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنهكم ثم دعا للذي خنق فشفي وأهدت الآخر طيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة قال الزهري لما مر بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال لاتدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم وفي الصحيح أنه أمر بإهراق الماء وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة قال ابن إسحاق وأصبح الناس لا ماء معهم فشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله اليه سحابة فأمطرت حتى ارتووا واحتملوا حاجتهم من الماء ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون تخلف فلان فيقول دعوه فإن يك فيه خيرا فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه وتلوم على أبي ذر بعيره فأخذ متاعه على ظهره فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله قال رجل يارسول الله هذا رجل يمشي على الطريق وحده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا ذر فلما تأملوا قالوا يارسول الله أبو ذر فقال رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده وفي صحيح ابن حبان أن أبا ذر لما حضرته الوفاة بكت امرأته فقال مايبكيك فقالت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنا أكفنك فيه ولا يدان لي في تغسيلك فقال لاتبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنافيهم ليموتن رجلا منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المسلمين وليس من اولئك أحد إلا مات في قرية فأنا الرجل والله ماكذبت ولا كذبت فأبصري الطريق قالت فكنت أشتد الى الكثيب أتبصر ثم أرجع فأمرضه فبينا نحن كذلك إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تخب بهم رواحلهم قالت فأشرت إليهم فأسرعوا حتى وقفوا علي قالوا ياأمة الله مالك قلت امرءا من المسلمين يموت تكفنونه قالوا من هو قلت أبو ذر قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نعم ففدوه بآبائهم وأمهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال لهم أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثهم الحديث ثم قال أما إنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها وإني أنشدكم الله أن لايكفنني رجل منكم كان أميرا او عريفا أو بريدا أو نقيبا وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار قال ياعم أنا أكفنك في ردائي هذا أو في ثوبين من عيبتي من غزل أمي قال أنت تكفنني فكفنه الأنصاري وقاموا عليه وصلوا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان وفي صحيح مسلم عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل وصوله الى تبوك إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستم من مائها شيئا قالا نعم فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ماشاء الله أن يقول ثم غرفوا بأيديهم من العين حتى اجتمع في شيء قال وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس ثم قال يوشك يامعاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا ولما انتهى الى تبوك أتاه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية وأتاه أهل جربا وأذرح فصالحهم على الجزية وكتب لصاحب أيلة بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لايحول ماله دون نفسه وإنه لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر ثم بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل وقال إنك ستجده يصيد البقر فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة أقام وجاءت بقر الوحش حتى حكت بقرونها باب القصر فخرج إليهم أكيدر في جماعة من خاصته فتلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا أكيدر وقتلوا أخاه حسان فحقن رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه وصالحه على الجزية وكان نصرانيا وقال سعدك أجاره خالد من القتل وكان مع خالد أربعمائة وعشرون فارسا على أن يفتح له دومة الجندل ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمئة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح فعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيه خالصا ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس ثم قسم مابقي على أصحابه فكان لكل واحد منهم خمس فرائض وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضعة عشر ليلة ثم قفل وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قمت من جوف الليل وأنا في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فأتيتها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليان إليه وهو يقول إلي أخاكما فدلياه إليه فلما هيأه لشقه قال اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه قال ابن مسعود ياليتني كنت صاحب الحفرة وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وهو بتبوك فقال يامحمد اشهد جنازة معاوية ابن معاوية المزني فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل في سبعين الفا من الملائكة فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت حتى نظر الى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة عليهم السلام فلما فرغ قال ياجبريل بم بلغ معاوية هذه المنزلة قال بقراءة قل هو الله أحد قائما وقاعدا وراكبا وماشيا رواه ابن السني والبيهقي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا يارسول الله وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك الى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر به بعض المنافقين فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق فلما بلغها أرادوا سلوكها معه فأخبر خبرهم فقال للناس من شاء أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم وأخذ العقبة وأخذ الناس بطن الوادي إلا أولئك النفر الذين هموا بالمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة أن يسوقها فبيناهم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر حذيفة أن يردهم فأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن فضرب به وجوه رواحلهم وأبصرهم متلثمين ولا يشعر إلا أنه فعل المسافر فأرعبهم الله حين أبصروا حذيفة وظنوا ان مكرهم قد ظهر عليه فاسرعوا حتى خالطوا الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة هل عرفت منهم أحدا قال عرفت راحلة فلان وفلان وكانت ظلمة فقال هل علمت شأنهم قال لا قال فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني فقال له حذيفة ألا تضرب أعناقهم قال اكره أن يتحدث الناس معها أن محمدا قد وضع يده في أصحابه فسماهم لهما وقال اكتماهم اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى نزل بذي أوان وبينها وبين المدينة ساعة وكان أهل مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز الى تبوك فقالوا إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والليلة المطيرة ونحب أن نصلي فيه قال إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله أتيناكم فجاء خبر المسجد من السماء فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي فقال انطلقا الى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه بالنار فخرجا مسرعين حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرق عنه أهله فأنزل الله سبحانه (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) فلما دنى من المدينة خرج الناس لتلقيه وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع.
● ● ● وبعضهم يروي هذا عند مقدمه مهاجرا وهو وهم لأن ثنيات الوداع من ناحية الشام فلما أشرف على المدينة قال هذه طابة وقال هذا أحد جبل يحبنا ونحبه فلما دخل بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين وكانت تلك عادته صلى الله عليه وسلم ثم جلس للناس فجاءه المخلفون يعتذرون اليه ويحلفون له فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم الى خالقهم وفيهم نزل قوله تعالى (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) الآية وما بعدها فصل في الاشارة الى ماتضمنته هذه القصة من الفوائد،
فمنها جواز القتال في الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظا على ماقاله ابن إسحاق ومنها إعلام الإمام القوم بالأمر الذي يضرهم إخفاؤه وستره عنهم للمصلحة،
ومنها أن الإمام إذا استنفر الجيش لزم لهم النفير ولم يجز لأحد التخلف إلا بإذنه ولا يشترط في الوجوب تعيين كل واحد منهم بعينه وهذا أحد المواضع الثلاثة التي يصير الجهاد فيها فرض عين والثاني إذا حاصر العدو البلد والثالث إذا حضر بين الصفين،
ومنها وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس وهذا هو الصواب الذي لاريب فيه فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه بل جاء مقدما على الجهاد بالنفس في كل موضع إلا موضعا واحدا وهذا يدل على أنه آكد من الجهاد بالنفس وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن فوجوب الجهاد بالمال أولى ومنها ما برز به عثمان من النفقة العظيمة ومنها أن العاجز بماله لا يعذر حتى يبذل جهده فإنه سبحانه إنما نفى الحرج عن العاجزين بعد أن أتوا رسوله ليحملهم ثم رجعوا باكين.
ومنها استخلاف الإمام إذا سافر رجلا من الرعية ويكون من المجاهدين لأنه من أكبر العون لهم ومنها أن الماء الذي بآبار ثمود لايجوز شربه ولا الطهارة به ولا الطبخ به ولا العجين به ويجوز أن يسقي البهائم إلا ماكان من بئر الناقة وكانت معلومة باقية الى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن الى وقتنا هذا فلا ترد الركبان بئرا غيرها ومنها أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لاينبغي له أن يدخلها ولا يقيم بها بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها ولا يدخل عليهم إلا أن يكون باكيا معتبرا،
ومنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلاتين في السفر وقد جاء جمع التقديم في هذه القصة في حديث معاذ وذكرنا علته ولم يجئ عنه جمع التقديم في سفر إلا هذا وصح عنه جمع التقديم بعرفة قبل دخوله عرفة،
ومنها جواز التيمم بالرمل فإنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه قطعوا تلك الرمال ولم يحملوا معهم ترابا وتلك مفاوز معطشة وشكوا فيها العطش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ومنها انه أقام بتبوك بضعة عشر يوما يقصر الصلاة ولم يقل للأمة لايقصر رجل إذا أقام أكثر من ذلك ولكن انقضت إقامته هذه المدة وهذه الاقامة في حال السفر لاتخرج عن حكم السفر سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع قال ابن المنذر أجمع أهل العلم أن للمسافر ان يقصر مالم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون ومنها جواز بل استحباب حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها وإن شاء قدم الكفارة وإن شاء أخرها ومنها انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يخرج بصاحبه الى حد لايعلم معه ما يقول وكذلك ينفذ حكمه وتصح عقوده فلو بلغ به الغضب إلى حد الإغلاق لم تنعقد يمينه ولا طلاقة،
ومنها قوله ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم قد يتعلق به الجبري ولا متعلق له به وإنما هو مثل قوله والله لا أعطي أحدا شيئا ولا أمنع وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فإنه عبد الله ورسوله إنما يتصرف بالأمر فإذا أمره ربه بشيء نفذه فالله هو المعطي والمانع والحامل والرسول منفذ لما أمر به،
ومنها أن أهل العهد إذا أحدث أحدهم حدثا فيه ضرر على الإسلام وأهله انتقض عهده في ماله ونفسه وإذا لم يقدر عليه الإمام فدمه وماله هدر وهو لمن أخذه كما في صلح أهل أيلة ومنها جواز الدفن بالليل كما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا البجادين إذا كان لضرورة أو مصلحة راجحة،
ومنها أن الإمام إذا بعث سرية فغنمت غنيمة أو أسرت أسيرا أو فتحت حصنا كان ماحصل من ذلك لها بعد الخمس فإنه صلى الله عليه وسلم قسم غنيمة دومة الجندل بين السرية بخلاف ما إذا خرجت السرية من الجيش في حال الغزو وأصابت ذلك بقوة الجيش فإن ما أصابوه يكون غنيمة للجميع بعد الخمس والنفل وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم،
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم أن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم وهذا من الجهاد بالقلب وهو أحد مراتبه الأربع وهي القلب واللسان والمال والبدن ومنها تحريق أمكنة المعصية كما حرق مسجد الضرار وكل مكان مثله فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم أو تحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك أحق وأوجب وكذا بيوت الخمارين وأرباب المنكرات وقد حرق عمر قرية بكمالها يباع فيها الخمر وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه فويسقا وحرق قصر سعد لما احتجب فيه عن الرعية وهم صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة وإنما منعه من فيها ممن لاتجب عليهم،
ومنها أن الوقف لايصح على غير قربة وعلى هذا فيهدم المسجد الذي بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق فلو وضعا معا لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدا فهذا دين الاسلام الذي بعث الله به رسوله وغربته بين الناس كما ترى.
فصل في حديث الثلاثة الذيخلفوا
الثلاثة الذيخلفوا وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع.
قال بعض الشارحين أول أسمائهم مكة وآخر أسمائهم عكة روينا في الصحيحين واللفظ للبخاري رحمه الله تعالى عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا من في غزوة تبوك غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب رضي الله عنه فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفي مالم ينزل فيه وحي الله تعالى وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أعدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا فأقول في نفسي أنا قادر عليه إذا أردت فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم الحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز ولم أقض شيئا فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ففهممت أن أرتحل فأدركهم فليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك مافعل كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة يارسول الله حبسه برده والنظر في عطفيه فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه بئس ماقلت والله يارسول الله ماعلمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب بن مالك فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرت همي وطفقت أتذكر الكذب فأقول بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل حتىعرفت أني لم أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم الى الله تعالى فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت بلى إني والله يارسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله إني لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عفو الله تعالى لا والله ماكان لي من عذر والله ماكنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ماعلمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لاتكون اعتذرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك فوالله مازالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت هل لقي هذا معي من أحد قالوا رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ماقيل لك فقلت من هما قالوا مرارة ابن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا رضي الله عنهما ففيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت إلى صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة رضي الله عنه وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فو الله ما رد علي السلام فقلت له يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فسكت فعدت فناشدته فقال رضي الله عن الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك جفاك ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت لما قرأته وهذا أيضا من البلايا فتيممت بها التنور فسجرتها بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فيقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل فقال لا بل أعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال كعب فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربنك قالت والله ما به حركة الى شيء ووالله مازال يبكي مذ كان الى يومه هذا فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله في امرأتك قد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت والله لو استأذنت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني مايقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأناعلى ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا قد ضاقت على نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يقول ياكعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعلمت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل الي فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون لتهنك توبة الله تعالى عليك ياكعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني والله ماقام الي رجل من المهاجرين غيره وكان كعب لاينساها لطلحة فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك قال قلت أمنك يارسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يارسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة الى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت يارسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا مابقيت فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث أحسن مما أبلاني وماتعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم الى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقيت وأنزل الله تعالى على رسوله (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذي اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم) (ياأيها الذين آمنو اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فو الله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال الله عز وجل (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من العمل أن في حديث كعب هذا فوائد،
منها استحباب رد غيبة المسلم كما فعل معاذ رضي الله عنه ومنها ملازمة الصدق وإن شق فعاقبته الى خير،
ومنها استحباب ركعتين في المسجد عند القدوم من السفر قبل كل شيء ومنها أنه يستحب للقادم من سفر إذا كان مقصودا أن يجلس لمن يقصده في موضع بارز كالمسجد ونحوه،
ومنها جريان أحكام الناس على الظاهر والله يتولى السرائر ومنها هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم تحقيرا لهم وزجرا،
ومنها استحباب بكائه على نفسه إذا بدرت منه معصية وحق له أن يبكي،
ومنها جواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى لمصلحة كما فعل كعب رضي الله عنه،
ومنها أن كنايات الطلاق كقوله إلحقي بأهلك لايقع إلا بالنية،
ومنها جواز خدمة المرأة زوجها من غير إلزام ووجوب،
ومنها استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة أو اندفاع نقمة ظاهرة والتصدق عند ذلك،
ومنهااستحباب التبشير والتهنئة وإكرام المبشر بكسوة ونحوها،
ومنها استحباب القيام للوارد إكراما له إذا كان من أهل الفضل بأي نوع كان وجواز سرور القوم بذلك كما سر كعب بقيام طلحة رضي الله عنهما وليس بمعارض بحديث ومن سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار لأن هذا الوعيد للمتكبرين ومن يغضب إذا لم يقم له وقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم لفاطمة رضي الله عنها سرورا بها وتقوم له كرامة وكذلك كل قيام أثمر الحب في الله تعالى والسرور لأخيك بنعمة الله والبر لمن يتوجه بره والأعمال بالنيات والله أعلم،
ومنها مدح نفسه بما هو فيه إذا لم يكن فخرا،
ومنها أن العقبة كانت من أفضل المشاهد،
ومنها أن ديوان الجيش لم يكن في حياته صلى الله عليه وسلم وأول من دون الدواوين عمر ومنها أن الرجل إذا أتيحت له فرصة القربة فالحزم كل الحزم في انتهازها فإن العزائم سريعة الانتقاض قلما تثبت والله سبحانه يعاقب من فتح له باب الى الخير فلم ينتهزه بأن يحول بينه وبين قلبه وإرادته قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) وصرح سبحانه بهذا في قوله (ونقلب أفئدتهم) وقال (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وقال (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم مايتقون) وهو كثير في القرآن ومنه أنه لم يكن يتخلف عنه صلى الله عليه وسلم إلا من هو مغموص عليه في النفاق أو رجل من أهل الاعذار أو من خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ومنها أن الامام لاينبغي له أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يذكره ليراجع الطاعة فإنه صلى الله عليه وسلم قال مافعل كعب ولم يذكر سواه استصلاحا له وإهمالا للمنافقين،
ومنها جواز الطعن في رجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن ذبا عن الله ورسوله ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة وطعن أهل السنة في أهل البدع،
ومنها جواز الرد على هذا الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط كما رد معاذ ولم ينكر صلى الله عليه وسلم على واحد منهما،
ومنها أن السنة للقادم من سفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي ركعتين،
ومنها ترك الإمام رد السلام على من أحدث حدثا تأديبا له وزجرا لغيره،
ومنها معاتبة الإمام والمطاع أصحابه ومن يعز عليه فإنه عاتب الثلاثة دون غيرهم وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه والسرور به فكيف بعتاب أحب الخلق على الاطلاق الى المعتوب عليه فلله ماكان أحلى ذلك العتاب وما أعظم ثمرته وأجل فائدته ولله ما نال به الثلاثة من انواع المسرات وحلاوة الرضى وخلع القبول،
ومنها توفيق الله لكعب وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق ولم يخذلهم حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق فصلحت عاجلتهم وفسدت عاقبتهم كل الفساد والصادقون نعبوا في العاجلة بعض التعب فاعقبهم صلاح العاقبة وعلى هذا قامت الدنيا والاخرة فمرارات المبادئ حلاوات في العواقب وحلاوات المبادئ مرارات في العواقب وفي نهيه صلى الله عليه وسلم عن كلامهم من بين سائر من تخلف عنه دليل على صدقهم وكذب الباقين فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب وأما المنافقون فهذا الدواء لايعمل في مرضهم وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة فلا يزال مستيقظا حذرا وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه فكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة وقوله حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة فيه دليل على دخول الرجل دار صاحبه وجاره إذا علم رضاه بلا إذن وفي امره لهم باعتزال النساء كالبشارة بالفرج من جهة كلامه لهم ومن أمره لهم بالاعتزال وفي قوله إلحقي بأهلك دليل على أنه لايقع بهذه اللفظة وأمثالها طلاق ما لم ينوه وفي سجوده لما سمع صوت البشير دليل أن تلك عادة الصحابة وهو استحباب سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة وقد سجد صلى الله عليه وسلم حين بشره جبريل أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا وسجد حين شفع لأمته فشفعه الله فيهم ثلاث مرات وسجد أبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة وسجد علي حين وجد ذي الثدية مقتولا في الخوارج وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سلع دليل على حرص القوم على الخير واستباقهم إليه وتنافسهم في مسرة بعضهم بعضا وفي نزع كعب ثوبيه وإعطائهما للبشير دليل على أن إعطاء المبشر من مكارم الأخلاق وجواز إعطاء البشير جميع ثيابه واستحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية والقيام إليه ومصافحته فهذه سنة مستحبة وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية وأن الأولى أن يقال ليهنك ما أعطاك الله وما من الله عليك ونحو هذا الكلام فإن فيه تولية النعمة ربهاوالدعاء لمن نالها بالتهني بها وفيه أن خير أيام العبد على الإطلاق يوم توبته وقبول الله لها وفي سروره صلى الله عليه وسلم بذلك وفرحه به واستنارة وجهه دليل على ماجعل الله في قلبه من كمال شفقته على الأمة وفيه استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك دليل على أن من نذر ماله كله لم يلزمه إخراج جميعه وفيه عظم مقدار الصدق وتعليق سعادة الدارين به وقد قسم سبحانه الخلق قسمين سعداء وهم أهل الصدق والتصديق وأشقياء وهم أهل الكذب والتكذيب وهو تقسيم حاصر مطرد منعكس وقوله لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم هذا من أعظم مايعرف العبد قدر التوبة وأنها غاية كمال المؤمن فإن الله سبحانه وتعالى أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم وديارهم لله وكان غاية أمرهم أن تاب عليهم ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم توبة كعب خير يوم مر عليه منذ ولدته أمه الى ذلك اليوم ولا يعرف هذا حق معرفته إلا من عرف الله وحقوقه عليه وعرف ماينبغي له من عبوديته وعرف نفسه وصفاتها وأفعالها وأن الذي قام به من العبودية بالنسبة الى حق ربه عليه كقطرة في بحر هذا إذا سلم من الآفات الظاهرة والباطنة فسبحان من لايسع عباده غير عفوه ومغفرته وكرر توبته عليهم مرتين فتاب عليهم أولا بالتوفيق لها وثانيا بقبولها فالخيرات كلها منه وبه وله


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم