بسم الله الرحمن الرحيم
رب ارحمهما كما ربياني صغيرا

قال ابن الجوزي تعليقا على قول الله تعالى: { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}
الويل كل الويل لعاق والديه ، والخزي كل الخزي لمن ماتا غضابا عليه ، أف له هل جزاء المحسن إلا الاحسان إليه ، أتبِعْ الآن تفريطك في حقهما أنينا وزفيرا , كم آثراكَ بالشهوات على النفس ، ولو غبت ساعة صارا في حبس ، حياتهما عندك بقايا شمس ، ولقد راعياك طويلا فارعهما قصيرا , كم ليلة سهرا معك إلى الفجر ، يداريانك مداراة العاشق في الهجر ، فإن مرضتَ أجريا دمعا لم يجْر،تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكفِّ و الحجر سرير , يُعالجان أنجاسك و يحبان بقاءك، ولو لقيت منهما أذى شكوت شقاءك ، ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتاقان لقاءك ، كم جرَّعاك حلوا وجرعتهما مريرا , اتحسُنُ الإساءة في مقابلة الإحسان ، أوَ ما تأنف الإنسانية للإنسان ، كيف تعارض حسن فضلهما بقبح العصيان ، ثم ترفع عليهما صوتا جهيرا , تحب أولادك طبعا ، فأحبب والديك شرعا ، وارع أصلا أثمر لك فرعا ، واذكر لطفهما بك وطيب المرعى أولا واخيرا , تصدق عنهما إن كانا ميتين ، وصل لهما واقض عنهما الدين ، واستغفر لهما واستدم هاتين الكلمتين ، وما تُكلف إلا أمرا يسيرا.
نقلا عن كتاب التبصرة لابن الجوزي