بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
هديه صلى الله عليه وسلم فى الجمعة والعيدين
وعباداته فى السفر وزيارة المرضى والزكاة


فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة
صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا وكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق وللترمذي وصححه عن أبي هريرة مرفوعا خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه اخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ورواه في الموطأ وصححه الترمذي أيضا بلفظ خير يوم طلعت فيه الشمس فيه خلق آدم وفيه اهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة الا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه قال كعب ذلك في كل سنة يوم فقلت بل كل جمعة فقرأ التوراة فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال لقد علمت أي ساعة هي قلت فأخبرني بها قال هي آخر ساعة يوم الجمعة فقلت كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصادفها مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال ابن سلام ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي وفي لفظ في مسند احمد في حديث أبي هريرة قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة قال لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفيها آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له.
وذكر ابن اسحاق عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت قائد أبي حين كف بصره فإذا خرجت به الى الجمعة فسمع الآذان لها استغفر لأبي امامة أسعد بن زرارة فكنت حينا اسمع ذلك منه فقلت إن عجزا أن لا أسأله فقلت يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان بالجمعة قال أبني كان أسعد أول من جمع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات قلت وكم أنتم يومئذ قال أربعون رجلا قال البيهقي هذا حسن صحيح الإسناد ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي قبل تأسيس مسجده قال ابن إسحاق وكانت أول خطبة خطبها فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأعوذ بالله أن أقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا و أفضلت عليك فما قدمت لنفسك فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال ابن إسحاق ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال ان الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له إن احسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه احسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله أحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقس عنه قلوبكم فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي قد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يبغض أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فصل في تعظيم يوم الجمعة
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بخصائص منها أنه يقرأ في فجره بآلم السجدة وهل أتى على الإنسان فإنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها ومنها استحباب كثرة الصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وفي ليلته لأن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فعلى يديه وأعظم كرامة تحصل لهم يوم الجمعة فإن فيه بعثهم الى منازلهم في الجنة وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوها وقربهم من ربهم يوم القيامة وسبقهم الى الزيادة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم اليها ومنها الاغتسال في يومها وهو أمر مؤكد جدا ووجوبه أقوى من وجوب الوضوء من مس الذكر والرعاف والقيء ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ومنها الطيب والسواك ولها مزية فيه على غيره ومنها التبكير والاشتغال بذكر الله تعالى والصلاة الى خروج الإمام ومنها الإنصات للخطبة وجوبا ومنها قراءة الجمعة والمنافقين أو سبح و الغاشية ومنها أن يلبس أحسن ثيابه ومنها أن للماشي إليها بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ومنها أنه يكفر السيئات ومنها ساعة الإجابة وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم وكان يقول في خطبته أما بعد ويقصر الخطبة ويطيل الصلاة وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين وإذا رأى بهم ذا فاقة من حاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها وكان يشير في خطبته بإصبعه السبابة عند ذكر الله ودعائه وكان يستسقي إذا قحط المطر في خطبته ويخرج إذا اجتمعوا فإذا دخل المسجد سلم عليهم فإذا صعد المنبر استقبلهم بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان فإذا فرغ قام وخطب ويعتمد على قوس أو عصا وكان منبره ثلاث درجات وكان قبل اتخاذه يخطب الى جذع ولم يوضع المنبر في وسط المسجد بل في جانبه الغربي بينه وبين الحائط قدر ممر شاة وكان إذا جلس عليه في غير الجمعة أو خطب قائما يوم الجمعة استدار أصحابه اليه بوجوههم وكان يقوم فيخطب ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيخطب الثانية فإذا فرغ منها أخذ بلال في الإقامة وكان يأمر بالدنو والإنصات ويخبر أن الرجل إذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له وكان إذا صلى الجمعة دخل منزله فصلى ركعتين سنتها وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا قال شيخنا إذا صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين
فصل وكان يصلي العيدين في المصلى
وكان يصلي العيدين في المصلى وهو الذي على باب المدينة الشرقي الذي يوضع فيه محمل الحاج ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة أصابهم المطر إن ثبت الحديث وهو في سنن أبي داود وكان يلبس أجمل ثيابه ويأكل في عيد الفطر قبل خروجه تمرات و يأكلهن وترا وأما في الأضحى فلا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته وكان يغتسل للعيدين إن صح وفيه حديثان ضعيفان لكن ثبت عن ابن عمر مع شدة إتباعه للسنة وكان يخرج ماشيا والعنزة تحمل بين يديه فإذا وصل نصبت ليصلي اليها فإن المصلى لم يكن فيه بناء وكان يؤخر صلاة عيد الفطر ويعجل الأضحى وكان ابن عمر مع شدة إتباعه لا يخرج حتى تطلع الشمس ويكبر من بيته الى المصلى وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى الى المصلى أخذ في الصلاة بغير أذان ولا إقامة ولا قول الصلاة جامعة ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا الى المصلى لا قبلها ولا بعدها وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة فيصلي ركعتين يكبر في الأولى سبعا متوالية بتكبيرة الإحرام بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ولكن ذكر ابن مسعود أنه قال يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يرفع يديه مع كل تكبيرة وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتم التكبير أخذ في القراءة فقرأ في الأولى الفاتحة ثم ق وفي الثانية اقتربت وربما قرأ فيهما بسبح و الغاشية ولم يصح عنه غير ذلك فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ثم يكبر في الثانية خمسا متوالية ثم أخذ في القراءة فإذا انصرف قام مقابل الناس وهو جلوس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ولم يكن هناك منبر وإنما كان يخطب على الأرض وأما قوله في حديث في الصحيحين نزل فأتى النساء الى آخره فلعله كان يقوم على مكان مرتفع، وأما منبر المدينة فأول من أخرجه مروان بن الحكم فأنكر عليه وأما منبر اللبن والطين فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة ورخص النبي صلى الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة وأن يذهب ورخص لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجتزؤوا بصلاة العيد عن الجمعة وكان يخالف الطريق يوم العيد وروي أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة الى العصر من آخر أيام التشريق الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
فصل ولما كسفت الشمس
ولما كسفت الشمس خرج الى المسجد مسرعا فزعا يجر رداءه وكان كسوفها في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها فتقدم فصلى ركعتين قرأ في الأولى بالفاتحة وسورة طويلة وجهر بالقراءة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع فأطال القيام وهو دون القيام الأول وقال لما رفع رأسه سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم أخذ في القراءة ثم ركع فأطال وهو دون الركوع الأول ثم سجد فأطال السجود ثم فعل في الأخرى مثل ما فعل في الأولى فاستكمل في الركعتين أربع ركوعات وأربع سجدات ورأى في صلاته تلك الجنة والنار وهم أن يأخذ عنقودا من الجنة فيريهم إياه ورأى أهل العذاب في النار ورأى امرأة تخدشها هرة ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاؤه في النار وكان أول من غير دين إبراهيم ورأى فيها سارق الحاج يعذب ثم انصرف فخطب خطبة بليغة فروى الإمام أحمد أنه لما سلم حمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم قال: أيها الناس أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني ذلك فقام رجال فقالوا نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك ثم قال أما بعد فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله تبارك وتعالى يعتبر بها عباده فينظر من يحدث له منهم توبة وايم الله لقد رأيت مذ قمت ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى الشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة وانه متى يخرج فسوف يزعم أنه الله فمن آمن به وصدقه واتبعه لم ينفعه صالح من عمله سلف ومن كفر به وكذبه لم يعاقبه بسيء من عمله سلف وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس فيزلزلون زلزالا شديدا ثم يهلكه الله عز وجل وجنوده حتى إن جذم الحائط أو قال أصل الحائط أو أصل الشجرة لينادي يا مؤمن يا مسلم هذا يهودي أو قال هذا كافر فتعال فاقتله قال ولن يكون ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم وتسألون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا وحتى تزول جبال عن مراتبها ثم على أثر ذلك القبض وقد روي عنه أنه صلاها كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع ركوعات أو كل ركعة بركوع واحد ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك ويرونه غلطا وأمر في الكسوف بذكر الله والصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتاقة.
فصل وثبت عنه أنه استسقى
وثبت عنه أنه استسقى على وجوه أحدها يوم الجمعة على المنبر في أثناء الخطبة الثاني أنه وعد الناس يوما يخرجون فيه الى المصلى فخرج لما طلعت الشمس متواضعا متبذلا متخشعا متوسلا فلما وافى المصلى صعد المنبر إن صح ففي القلب منه شيء فحمد الله وأثنى عليه وكبر وكان مما حفظ من خطبته ودعائه الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد اللهم لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت علينا قوة لنا وبلاغا الى حين ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول الى الناس ظهره واستقبل القبلة وحول إذ ذاك رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر وعكسه وكان الرداء خميصة سوداء وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك ثم نزل فصلى بهم ركعتين كالعيد من غير نداء قرأ في الأولى بعد الفاتحة ب سبح وفي الثانية ب الغاشية الثالث أنه استسقى على منبر المدينة في غير الجمعة ولم يحفظ عنه أنه فيه صلاة الرابع أنه استسقى وهو جالس في المسجد رفع يديه ودعا الله عز وجل الخامس أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء وهو خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفه حجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد السادس أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون الى الماء فأصاب المسلمين العطش فشكوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لبعض المنافقين لو كان نبيا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه فبلغه ذلك فقال أو قد قالوها عسى ربكم أن يسقيكم ثم بسط يديه ودعا فما رد يديه حتى أظلهم السحاب وأمطر وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل مرة واستسقى مرة فقام أبو لبابة فقال يا رسول الله إن التمر في المرابد فقال اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيشد ثعلب مربده بإزاره فأمطرت فاجتمعوا الى أبي لبابة فقالوا إنها لن تقلع حتى تقوم عريانا فتشد ثعلب مربدك بإزارك ففعل فأقلعت السماء ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء فاستصحا لهم وقال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الظراب والآكام والجبال وبطون الأودية ومنابت الشجر وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال صيبا نافعا وحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر فسئل عن ذلك فقال لأنه حديث عهد بربه قال الشافعي أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن عبد الهادي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل قال اخرجوا بنا الى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه ونحمد الله عليه وأخبرنا من لا أتهم عن إسحاق بن عبد الله أن عمر كان إذا سال السيل ذهب بأصحابه اليه وقال ما كان ليجيء من مجيئه أحد إلا تمسحنا به وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم والريح عرف ذلك في وجهه فأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه وكان يخشى أن يكون فيه العذاب.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعباداته فيه
كانت أسفاره صلى الله عليه وسلم دائرة بين أربعة أسفار سفر لهجرته وسفر للجهاد وهو أكثرها وسفر للعمرة وسفر للحج وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ولما حج سافر بهن جميعا وكان إذا سافر خرج من أول النهار وكان يستحب الخروج يوم الخميس ودعا الله أن يبارك لأمته في بكورها وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم ونهى أن يسافر الرجل وحده وأخبر أن الراكب شيطان والراكبين شيطانان والثلاثة ركب وذكر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم له اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت وكان إذا قدمت له دابته ليركبها يقول بسم الله حين يضع رجله في الركاب فإذا استوى على ظهرها قال الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا الى ربنا لمنقلبون ثم يقول الحمد لله الحمد لله الحمد لله ثم يقول الله اكبر الله اكبر الله اكبر ثم يقول سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وكان يقول اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال وإذا رجع قالهن وزاد آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون وكان هو وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا وإذا هبطوا الأودية سبحوا وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها وكان يقصر الرباعية وقال أمية بن خالد إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال له ابن عمر يا أخي إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا وإنما نفعل كما رأينا محمد صلى الله عليه وسلم يفعل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الفرض ولم يحفظ عنه أنه صلى السنة قبلها ولا بعدها إلا سنة الفجر والوتر ولكن لم يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة وثبت عنه أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته أين توجهت به وكان يومئ في ركوعه وكان إذا أراد أن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر الى العصر فإن زالت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء ولم يكن من هديه الجمع راكبا ولا حال نزوله.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن
كان له حزب لا يخل به وكانت قراءته ترتيلا حرفا حرفا ويقطع قراءته آية آية ويمد عند حروف المد فيمد الرحمن ويمد الرحيم وكان يستعيذ في أول القراءة فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وربما قال اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره وأمر ابن مسعود فقرأ وهو يسمع وخشع حتى ذرفت عيناه وكان يقرأ قائما وقاعدا ومضطجعا ومتوضئا ومحدثا إلا الجنابة وكان يتغنى به ويرجع صوته أحيانا وحكى ابن المغفل ترجيعه آآآ ذكره البخاري وإذا جمعت هذا الى قوله زينوا القرآن بأصواتكم وقوله ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن علمت أن هذا الترجيع منه اختيار لا لهز الناقة وإلا لم يحكه ابن المغفل اختيارا ليتأسى به ويقول كان يرجع في قراءته والتغني على وجهين أحدهما ما اقتضته الطبيعة من غير تكلف فهذا جائز وإن أعان طبيعته بفضل تزيين كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا أي لحسنته لك تحسينا وهذا هو الذي كان السلف يفعلونه وعليه تحمل الأدلة كلها والثاني ما كان صناعة من الصنائع كما يتعلم أصوات الغناء بأصناف الألحان على أوزان مخترعة فهذه هي التي كرهها السلف وأدلة الكراهة إنما تتناول هذا.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة المرضى
كان يعود من مرض من أصحابه وعاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب وعاد عمه وهو مشرك وعرض عليهما الإسلام فأسلم اليهودي وكان يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأله عن حاله وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما وكان يدعو للمريض ثلاثا كما قال الله اشف سعدا وكان إذا دخل على المريض يقول لا بأس طهور إن شاء الله وربما قال كفارة وطهور وكان يرقي من كان به قرحة أو جرح أو شكوى فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها ويقول بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا وهذا في الصحيحين وهو يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفا لا يرقون وهو غلط من الراوي، ولم يكن من هديه أن يخص يوما بالعيادة ولا وقتا بل شرع لأمته عيادة المريض ليلا أو نهارا وكان يعود من الرمد وغيره وكان أحيانا يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه ويقول اللهم اشفه وكان يمسح وجهه أيضا وإذا أيس من المريض قال إنا لله وإنا اليه راجعون وكان هديه في الجنائز أكمل هدي مخالفا لهدي سائر الأمم مشتملا على الإحسان الى الميت وإلى أهله وأقاربه وعلى إقامة عبودية الحي فيما يعامل به الميت فكان من هديه عبودية الرب تعالى على أكمل الأحوال وتجهيز الميت الى الله تعالى على أحسن الأحوال ووقوفه وأصحابه صفوفا يحمدون الله ويستغفرون له ثم يمشي بين يديه الى ان يودعوه حفرته ثم يقوم هو وأصحابه على قبره سائلين له الثبات ثم يتعاهده بالزيارة الى قبره والسلام عليه والدعاء له فأول ذلك تعاهده في مرضه وتذكيره الآخرة وأمره بالوصية والتوبة وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه ثم نهى عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث من لطم الخدود ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك وسن الخشوع للموت والبكاء الذي لا صوت معه وحزن القلب وكان يفعله ويقول تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وسن لأمته الحمد والاسترجاع والرضا عن الله وكان من هديه الإسراع بتجهيز الميت الى الله وتطهيره وتنظيفه وتطييبه وتكفينه في ثياب البياض ثم يؤتى به اليه فيصلي عليه بعد أن كان يدعو له عند احتضاره فيقيم عنده حتى يقضي ثم يحضر تجهيزه ويصلي عليه ويشيعه الى قبره ثم رأى أصحابه ان ذلك يشق عليه فكانوا يجهزون ميتهم ثم يحملونه اليه فيصلي عليه خارج المسجد وربما كان أحيانا يصلي عليه في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه فيه وكان من هديه تغطية وجه الميت إذا مات وبدنه وتغميض عينيه وربما كان يقبل الميت كما قبل عثمان بن مظعون وبكى وكان يأمر بغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة، وكان لا يغسل الشهيد قتيل المعركة وكان ينزع عنهم الجلود والحديد ويدفنهم في ثيابهم ولم يصل عليهم وأمر أن يغسل المحرم بماء وسدر ويكفن في ثوبي إحرامه ونهى عن تطييبه وتغطية رأسه وكان يأمر ولي الميت أن يحسن كفنه ويكفنه في البياض ونهى عن المغالاة في الكفن وإذا قصر الكفن عن ستر جميع البدن غطى رأسه وجعل على رجليه شيئا من العشب وكان إذا قدم إليه ميت سأل هل عليه دين فإن لم يكن عليه دين صلى عليه وإن كان عليه دين لم يصل عليه وأمر أصحابه أن يصلوا عليه فإن صلاته شفاعة وشفاعته موجبة والعبد مرتهن بدينه لا يدخل الجنة حتى يقضى عنه فلما فتح الله عليه كان يصلي على المدين ويتحمل دينه ويدع ماله لورثته فإذا اخذ في الصلاة عليه كبر وحمد الله وأثنى عليه وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بعد التكبيرة الأولى بالفاتحة وجهر بها وقال لتعلموا أنها سنة قال شيخنا لا تجب قراءتها بل هي سنة وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن صلاة الجنازة فقال أنا والله أخبرك تبدأ فتكبر ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتقول اللهم إن عبدك فلانا كان لا يشرك بك وأنت أعلم به وإن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ومقصود الصلاة عليه الدعاء ولذلك حفظ عنه ونقل من الدعاء ما لم ينقل من قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ من دعائه اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم وحفظ من دعائه أيضا اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت رزقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها تعلم سرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لها وكان يأمر بإخلاص الدعاء للميت، وكان يكبر أربع تكبيرات وصح عنه أنه كبر خمسا وكان الصحابة يكبرون أربعا وخمسا وستا قال علقمه قلت لعبد الله إن ناسا من أصحاب معاذ قدموا من الشام فكبروا على ميت لهم خمسا فقال ليس على الميت في التكبير وقت كبر ماكبر الإمام فإذا انصرف الإمام فانصرف قيل للإمام أحمد تعرف عن أحد من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمتين على الجنازة قال لا ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه فذكر ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وأما رفع اليدين فقال الشافعي ترفع للأثر والقياس على السنة في الصلاة ويريد بالأثر ما روي عن ابن عمر وأنس أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبرا على الجنازة وكان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر فصلى مرة على قبر بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتا ومنع منها مالك إلا للولي إذا كان غائبا وكان يقول عند رأس الرجل ووسط المرأة وكان يصلي على الطفل وكان لا يصلي على من قتل نفسه ولا على من غل من الغنيمة واختلف عنه في الصلاة على المقتول حدا كالزاني فصح عنه أنه صلى على الجهينة التي رجمها واختلف في ماعز فإما أن يقال لا تعارض بين ألفاظ فإن الصلاة فيه هي الدعاء وترك الصلاة عليه تركها على جنازته تأديبا وتحذيرا وإما أن يقال إذا تعارضت ألفاظه عدل الى الحديث الآخر وكان إذا صلى عليه تبعه الى المقابر ماشيا أمامه وسن للراكب أن يكون وراءها وإن كان ماشيا يكون قريبا منها إما خلفها وإما أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها وكان يأمر بالإسراع بها حتى إن كانوا ليرملون بها رملا وكان يمشي إذا تبعها ويقول لم أكن لأركب والملائكة يمشون فإذا انصرف فربما ركب وكان لا يجلس حتى توضع وقال إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع ولم يكن من هديه الصلاة على كل ميت غائب وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت وتركه سنة كما أن فعله سنة فإن كان الغائب مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه فإن النجاشي مات بين الكفار، وصح عنه أنه أمر بالقيام للجنازة لما مرت به وصح عنه أنه قعد فقيل القيام منسوخ وقيل الأمران جائزان وفعله بيان للاستحباب وتركه بيان للجواز وهذا أولى وكان من هديه أن لا يدفن الميت عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا حين قيامها وكان من هديه اللحد وتعميق القبر وتوسيعه من عند رأس الميت ورجليه ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله وفي رواية بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ويذكر عنه انه كان يحثو على الميت إذا دفن من قبل رأسه ثلاثا وكان إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم بذلك ولم يكن يجلس يقرأ على القبر ولا يلقن الميت ولم يكن من هديه تعلية القبور ولا بناؤها ولا تطيينها ولا بناء القباب عليها وقد بعث علي بن أبي طالب ألا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه فسنت تسوية هذه القبور المشرفة كلها ونهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه وكان يعلم من أراد أن يعرف قبره بصخرة ونهى عن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها ولعن فاعله ونهى عن الصلاة إليها ونهى أن يتخذ قبره عيدا وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ ويجلس عليها ويتكئ عليها ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد وأعيادا وأوثانا وكان يزور قبور أصحابه للدعاء لهم والاستغفار لهم وهذه هي الزيارة التي سنها رسول الله وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا السلام عليكم أهل للديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وكان يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه اليه عكس هديه صلى الله عليه وسلم فإنه هدي توحيد وإحسان الى الميت وكان من هديه تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع ويقرأ له القرآن لا عند القبر ولا غيره وكان من هديه أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس بل أمر أن يصنع الناس لهم طعاما وكان من هديه ترك نعي الميت بل كان ينهي عنه ويقول هو من عمل أهل الجاهلية.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف
أباح الله له قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر وقصر العدد وحده إذا كان سفرا لا خوف معه وقصر الأركان وحدها إذا كان خوفا لا سفر معه وبهذا تعلم الحكمة في تقييد القصر في الآيات بالضرب في الأرض والخوف وكان من هديه في صلاة الخوف إذا كان العدو بينه وبين القبلة أن يصف المسلمين خلفه صفين فيكبر ويكبرون جميعا ثم يركعون ويرفعون جميعا ثم يسجد أول الصف الذي يليه خاصة ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو فإذا نهض للثانية سجد الصف المؤخر سجدتين ثم قاموا فتقدموا الى الصف الأول وتأخر الصف الأول مكانهم لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين وليدرك الثاني معه السجدتين في الثانية وهذا غاية العدل فإذا ركع صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين ولحقوه في التشهد فسلم بهم جميعا وإن كان العدو في غير جهة القبلة فإنه تارة يجعلهم فرقتين فرقة بازاء العدو وفرقة تصلي معه فتصلي معه أحد الفرقتين ركعة ثم تنصرف في صلاتها الى مكان الفرقة الأخرى وتجيء الأخرى الى مكان هذه فتصلي معه الركعة الثانية ثم يسلم وتقضي كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام وتارة يصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم يقوم الى الثانية وتقضي هي ركعة وهو واقف وتسلم قبل ركوعه وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية فإذا جلس في التشهد قامت فقضت ركعة وهو ينتظرها في التشهد فإذا تشهدت سلم بهم وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم بهم وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم تذهب ولا تقضي شيئا وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا فيكون له ركعتان ولهم ركعة ركعة وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها قال أحمد ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائزة وظاهر هذا أنه يجوز أن تصلي كل طائفة معه ركعة ولا تقضي شيئا وهذا مذهب جابر وابن عباس وطاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم وإسحاق وقد روي فيها صفات أخر ترجع كلها الى هذه وقد ذكرها بعضهم عشرا وذكرها ابن حزم نحو خمسة عشر صفة والصحيح ما ذكرنا وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة
كان هديه صلى الله عليه وسلم اكمل هدي في وقتها وقدرها ونصابها ومن تجب عليه ومصرفها وراعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه وقيد النعمة بها على الأغنياء فما زالت النعمة بالمال عن من أدى زكاته بل يحفظه عليه وينميه ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال وهو أكثر الأموال دورا بين الخلق وحاجتهم اليها ضرورية أحدها الزرع والثمار والثاني بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم الثالث الجوهران اللذان بهما قوام العالم وهما الذهب والفضة الرابع أموال التجارة على اختلاف أنواعها ثم إنه أوجبها في كل عام وجعل حول الثمار والزرع عند كمالهما واستوائهما وهذا اعدل ما يكون إذ وجوبها كل شهر أو جمعة مما يضر بأرباب الأموال ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب السعي في التحصيل فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعا محصلا وهو الركاز ولم يعتبر له حولا وأوجب نصفه وهو العشر فيما كان مشقة تحصيله فوق ذلك وذلك في الثمار والزرع التي يباشر حرثها ويتولى الله سقيها بلا كلفة من العبد وأوجب نصف العشر فيما يتولى العبد سقيه بالكفة والدوالي والنواضح ونحوهما وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه وقوفا على عمل متصل من رب المال متتابع بالضرب في الأرض تارة وبالإدارة تارة وبالتربص تارة ثم إنه لما كان لا يحتمل كال مال المواساة جعل للمال الذي تحتمله المواساة نصبا بقدرة المواساة فيها لا تجحف بأرباب الأموال وتقع موقعها من المساكين فجعل للورق مائتي درهم وللذهب عشرين مثقالا وللحبوب والثمار خمسة أوسق وهي خمسة أحمال من أحمال إبل العرب وللغنم أربعين شاة وللبقر ثلاثين وللإبل خمسا لكن لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسه أوجب فيه شاة فإذا تكررت الخمس خمس مرات وصارت خمسا وعشرين احتمل نصابها واحدا منها ثم إنه لما قدر سن هذا الواجب في الزيادة والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها من ابن مخاض وبنت مخاض وفوقه ابن لبون وبنت لبون وفوقه الحق والحقه وفوقه الجذع والجذعة وكلما كثرت الإبل زاد السن الى ان يصل السن الى منتهاه فحينئذ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادات عدد المال فاقتضت حكمته ان جعل في الأموال قدرا يحتمل المواساة ولا يجحف بها ويكفي المساكين فوقع الظلم من الطائفتين الغني بمنعه ما أوجب عليه والآخذ بأخذه ما لا يستحقه فتولد من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين والله سبحانه تولى قسمة الصدقة بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان أحدهما من يأخذ لحاجة فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل والثاني من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون لإصلاح ذات البين والغزاة في سبيل الله فإن لم يكن الآخذ محتاجا ولا منفعة فيه للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.
فصل وكان إذا علم من الرجل أنه من أهلها أعطاه
وكان إذا علم من الرجل أنه من أهلها أعطاه وإن سأله منها من لا يعرف حاله اعطاه بعد أن يخبره أنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب وكان من هديه تفريقها على المستحقين في بلد المال وما فضل عنهم منها حمل اليه ففرقه وكذلك كان يبعث سعاته الى البوادي ولم يكن يبعثهم الى القرى بل أمر معاذ ان يأخذ من أهل اليمن ويعطيها فقراءهم ولم يكن من هديه أن يبعث سعاته إلا الى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزرع والثمار وكان يبعث الخارص يخرص على أهل النخيل ثمر نخيلهم وعلى أهل الكروم كرومهم وينظر كم يجيء منه وسقا فيحسب عليهم من الزكاة بقدره وكان يأمر الخارص أن يدع لهم الثلث أو الربع فلا يخرصه لما يعروا النخيل من النوائب وكان هذا الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق وليتصرف فيها أربابها بما شاؤوا أو يضمنوا قدر الزكاة ولم يكن من هديه أخذها من الخيل ولا الرقيق ولا البغال ولا الحمير ولا الخضراوات ولا المباطخ ولا المقاتي والفواكه التي لا تكال ولا تدخر الا العنب والرطب فلم يفرق بين رطبه ويابسه وكان إذا جاء الرجل بالزكاة دعا له فتارة يقول اللهم بارك فيه وفي إبله وتارة يقول اللهم صل عليه ولم يكن من هديه أخذ كرائم الأموال بل أوسطه وكان ينهى المتصدق أن يشتري صدقته وكان يبيح للغني أن يأكل منها إذا أهداها اليه الفقير وكان أحيانا يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة وكان يسم إبل الصدقة بيده وإذا عراه أمر استسلف الصدقة من أربابها كما استسلف من العباس صدقة عامين وفرض زكاة الفطر عليه وعلى من يمونه من صغير وكبير صاعا من تمر أو شعير أو أقط أو زبيب وروي عنه صاعا من دقيق وروي عنه نصف صاع من بر مكان الصاع من هذه الأشياء ذكره أبو داود وفي الصحيحين أن معاوية هو الذي قوم ذلك وكان من هديه إخراجها قبل الخروج للعيد وفي الصحيحين عن ابن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس الى الصلاة وفي السنن عنه من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ومقتضى هذين الحديثين أنه لايجوز تأخيرها عن صلاة العيد وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة ونظيره ترتيب الأضحية على صلاة الإمام لا على وقتها وأن من ذبح قبلها فهي شاة لحم وكان من هديه تخصيص المساكين بها ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع
كان أعظم الناس صدقة مما ملكت يمينه ولا يستكثر شيئا أعطاه لله ولا يستقله وكان لا يسأل أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا كان أو كثيرا وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما أخذ وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه وكان يتنوع في أصناف إعطائه وصدقته فتارة بالهدية وتارة بالصدقة وتارة بالهبة وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع سلعة والثمن وتارة يقترض الشيء فيرد أكثر منه ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها تلطفا وتنوعا في ضروب الإحسان بكل ممكن وكان إحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها فإذا رآه البخيل دعاه حاله الى البذل وكان من خالطه لا يملك نفسه عن السماحة ولذلك كان أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا فإن للصدقة والمعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدر فانضاف ذلك الى ما خصه الله من شرح صدره بالرسالة وخصائصها وتوابعها وشرح صدره حسا وإخراج حظ الشيطان منه وأعظم أسباب شرح الصدر التوحيد وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه قال الله تعالى (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) وقال تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) ومنها النور الذي يقذفه الله في قلبه وهو نور الإيمان وفي الترمذي مرفوعا إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح الحديث ومنها العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه وليس هذا لكل علم بل للموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها الإنابة الى الله ومحبته بكل القلب وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر وطيب النفس وكلما كانت المحبة أقوى كان الصدر أشرح ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين ومنها دوام الذكر وللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر ومنها الإحسان الى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان ومنها الشجاعة فإن الشجاع منشرح الصدر وأما سرور الروح ولذتها فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل وعلى كل معرض عن الله غافل عن ذكره جاهل به وبدينه متعلق القلب بغيره ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض ولا بضيق صدر هذا لعارض فإن العوارض تزول بزوال أسبابها وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه فهي الميزان ومنها بل من أعظمها إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة ومنه ترك فضول النظر والكلام والاستماع والخلطة والأكل والنوم.


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم